الواحدِ أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُرسل رسلَهُ إلى الآفاقِ وحدانًا بأوامرهِ ونواهيهِ التي تُستباح بها الدماءُ والأموالُ وغيرُها، بكُتبٍ وبغيرِ كُتبٍ، ولم يشهدْ على شيءٍ من ذلكَ اثنينِ، وكانَ يأمرُ بقبولِ أخبارهم، في كتابِ قيصرَ: «أسلِمْ تَسلمْ، فإنْ تولَّيتَ فإنَّ عليكَ إثمَ الأرِيسِيَّين (١) (٢). وقالَ لمعاذٍ ﵁ حين أرسلهُ إلى اليمنِ: «فادعُهم إلى شهادةِ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ فإنْ هُمْ أطاعوا لذلكَ ...» (٣) إلى آخرهِ، وغير ذلكَ. وأيضًا فقد قَبِلَ (٤) ﷺ الواحدَ في هلالِ شهرِ رمضانَ، فصامَ وأمرَ الناسَ بالصيامِ بمجرّدِ خبرهِ، مع أنَّ المرجحَ عندَنا: أنَّ الإخبارَ برؤيةِ الهلالِ شهادةٌ لا روايةٌ، فَنظَرْنا فوَجدْناها فارقتِ الشهادةَ في المعنى ووافقتِ الروايةَ أيضًا؛ لأنَّهُم عرّفوا الشهادةَ بأنها: خبرٌ يختصُ بمعينٍ / ١٩٥ب /. والروايةَ بأنها: خبرٌ لا يختصُ بمعينٍ. فلما جامعتِ الروايةُ هذا المعنى، وكانَ تعلقُ الفرضِ بالكذبِ في ما هذا سبيلهُ بعيدًا، جَمعَهما الشارعُ ﷺ (٥) في الاكتفاءِ في كلِّ منهما بالواحدِ، ثم ألحقنا بالروايةِ ما شاركَها في هذا المعنى -وهو بُعدُ القصدِ بالكذبِ- كالإخبارِ بأنَّ المرضَ يُبيحُ التيممَ، وكذا إخبارُ القائفِ (٦) بالنسبِ، ومثلُ ذلكَ واردٌ على منعِ تعريفِ الشهادةِ، وجمعِ تعريفِ الروايةِ الماضيينِ، فصحّحَ بأنَّ الشهادةَ: خبرٌ لتصحيحِ
(١) قال النووي في شرحه لصحيح مسلم عقب الحديث (١٧٧٣): «واختلفوا في المراد بهم على أقوال: أصحها وأشهرها: أنهم الأكارون، أي: الفلاحون والزراعون ومعناه: أن عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون بانقيادك، ونبه بهؤلاء على جميع الرعايا؛ لأنهم الأغلب؛ ولأنهم أسرع انقيادًا، فإذا أسلم أسلموا، وإذا امتنع امتنعوا، وهذا القول هو الصحيح».
(٢) أخرجه: البخاري ١/ ٥ (٧)، ومسلم ٥/ ١٦٣ (١٧٧٣) (٧٤)، وغيرهم من حديث أبي سفيان ﵁.
(٣) صحيح البخاري ٢/ ١٣٠ (١٣٩٥)، وصحيح مسلم ١/ ٣٧ (١٩) (٢٩) و(٣٠).
(٤) في (ب): «قبل النبي».
(٥) لم ترد في (ب).
(٦) هو الذي يعرف النسب بفراسته ونظره إلى أعضاء المولود. التعريفات للجرجاني: ١٧١.