يجز له الاقتصار، لأن المسربة مما يخفى عن العيان، والثلاث يحصل بها الإنقاء غالبا فصارت وصفا لا بد من اعتباره، ووجوب الزيادة عليها لتخلف الحكمة عنها حين لم يحصل الإنقاء بها. ولم يعتبر العدد في الآلة بل في الفعل ، لأن كون الحجر لا يستنجى بحرفيه لا امعنى له، لأن المقصود إنما هو التعدد في المسحات المزيلة، لا في الآلات، فجون الاستنجاء بحجر له ثلاثة أحرف، وعلى هذا ينزل فعله صلى الله عليه وسلم لما أخذ الحجرين وألقى الروئة، أن يكون استعمل حرفي حجر منهما والله أعلم.
فائدة
الأمور الخفية أو المنتشرة، دأب الشارع أن يضبطها بوصف ظاهر يدور الحكم عليه كما أشرنا إليه في المسربة، لما كانت تخفى على العيان، وكانت مما يحصل الإنقاء فيها بالثلاث اضبطت بهذا العدد، وكذلك قصر الصلاة في السفر، إنما كان للمشقة، ومشاق المسافرين اختلف، فضبط بمسافة معينة ، هي مظنة المشقة غالبا، وكذلك الأمور المتعلقة بالباطن ولا طلع عليها، ضبطت بالوصف الظاهر الذي هو مظنته غالبا، وبيانه بصور منها: العقل الذي هو مناط التكليف، يختلف باختلاف الناس، بل يختلف فيه حال الواحد بحسبالأوقات، فضبطه الشارع بأن جعله منوطأ بالبلوغ، إمابالسن أو بالاحتلام.
ومنها: التصديق الموجب للنجاة من القتل ولحقن الدماء والمال، لما تعذر الاطلاع عليه اضبطه الشارع بالإتيان بالشهادتين، حتى لو توافرت القرائن على مخالفة الظاهر الباطن لم يلتفت إليها كما في إسلام المرتد عند العرض على السيف، وإسلام الحربي بالاكراه، إذ لو عتبر ذلك لم يكن له ضابط.
ومنها: أن التراضي يعتبر في العقود بقوله تعالى: ( إلا أن تكوب تجكرة عن تراض ة) [النساء: 29] وذلك أمر باطن، فناطه الشافعي رضي الله عنه بالإيجاب والقبول،ل ومن قال من الأصحاب بالمعاطاة ، جعل القرائن القائمة فيما اعتاده الناس تدل على الرضا، وكذلك أوقع الطلاق من الهازل ونحوه، إحالة على الوصف الظاهر الذي نيطت بهالأحكام ضابطا.
Unknown page