499

Majmūʿat al-rasāʾil al-kubrā li-ibn taymiyya

مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Publisher Location

بيروت

بشر. وقال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء. فإن الله قد أخبر أن في الجنة خمراً، ولبناً، وماء، وحريراً، وذهباً، وفضة وغير ذلك، ونحن نعلم قطعاً أن تلك الحقيقة ليست مماثلة لهذه، بل بينهما تباين عظيم مع التشابه كما في قوله: (وأتوا به متشابهاً) على أحد القولين، أن يشبه ما في الدنيا وليس مثله، فأشبه اسم تلك الحقائق أسماء هذه الحقائق، كما أشبهت الحقائق الحقائق من بعض الوجوه، فنحن نعلمها إذا خوطبنا بتلك الأسماء من جهة القدر المشترك بينهما، ولكن لتلك الحقائق خاصية لا ندركها في الدنيا، ولا سبيل إلى إدراكنا لها لعدم إدراك عينها أو نظيرها من كل وجه، وتلك الحقائق على ما هي عليه، هي تأويل ما أخبر الله به وهذا فيه رد على اليهود والنصارى والصابئين من المتفلسفة وغيرهم، فإنهم ينكرون أن يكون في الجنة أكل، وشرب، ولباس، ونكاح، ويمنعون وجود ما أخبر به القرآن، ومن دخل في الإسلام ونافق المؤمنين، تأول ذلك على أن هذه أمثال مضروبة لتفهيم النعيم الروحاني إن كان من المتفلسفة الصابئة المنكرة لحشر الأجساد، وإن كان من منافقة الملتين المقرين بحشر الأجساد، تأول ذلك على تفهم النعيم الذي في الجنة من الروحاني، والسماع الطيب والروائح العطرة، كل حال يحرف الكلم عن مواضعه إلى ما اعتقد ثبوته، وكان في هذا أيضاً متبعاً المتشابه، إذا لأسماء تشبه الأسماء، والمسميات تشبه المسميات، ولكن تخالفها أكثر مما تشابهها، فهؤلاء يتبعون هذا المتشابه ابتغاء الفتنة بما يوردونه من الشبهات على امتناع أن يكون في الجنة هذه الحقائق وابتغاء تأويله، ليردوه إلى المعهود الذي يعملونه في الدنيا قال الله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله) فإن تلك الحقائق قال الله فيها: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) لا ملك مقرب ولا نبي مرسل.

11