853

============================================================

تفسير سورة البقرة/783 من الظهور، والسر في ذلك أن الإحرام تجريد عن كل لباس مخيط وإجابة لدعوة الداعي بالتلببة: لبيك اللهم لبيك، والتجريد كل التجريد أن تتجرد الأرواح والنفوس عن الأبدان كما تجردت الأبدان عن كل لباس؛ فإن الأبدان إلباس] الأرواح كما أن المخيط لباس الأبدان، فتخطت جماعة إلى التجريد الثالث وهو التجريد عن البيوت؛ إذ كانت البيوت بالنسبه إلى ل الأبدان كالأبدان بالنسبة إلى الأرواح؛ وهي بيوتها، فقالوا: لا تواربنا بيوتنا عن السماء ولانبسكن بيتأ له سقف يحجبنا عن السماء، ولا ندخل من الأبواب إلى البيوت كما لا ندخل من أبواب الحسائس إلى الآرواح، بل نثقب وراء البيوت من ظهورها تقبأ؛ فندخل منه وتخرج، وهو يوازي من البدن القوة الذاكرة التي خلف الدماغ: فإن الأبواب إلى المحسوسات مفتوحة نحو مقدم الدماغ، والآبواب إلى المعقولات مفتوحة تحو مؤخر الدماغ، إلا جماعة من الأشراف وهم الأحماس ثبتوا على دخول البيوت من الآبواب المفتوحة إليها، ولم يدخلوها من ظهورها، وعدوا مذهب أولئك غلوا في الآمر بلا برهان وحسة وبدعة ابتدعوها على خلاف السنة؛ وقد وردالقرآن بتصويبهم وتصديقهم انها ليس من البر والطاعة والإخلاص في العبادة.

وقال تعالى: (ليس البر بأن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من امن بالله) وقال تعالى هاهنا: (ليس البو بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن الير من اتقى ) والمناسبة بين الآيتين أن جماعة قصروا في التوحيد؛ فظنوا أنه تعالى بكل مكان كونا مكانيا، فقالوا: البر والإخلاص في أن نولي قبل المشرق والمغرب ولا نعين جهة بالاستقبال؛ فصرفهم الله تعالى إلى جهة القبلة رعاية للشريعة وأن لا تذهب عقولهم أذهانهم إلى كل صوب: فقال: (وحيثماكنتم فولوا وجوهكم شطره)؛ وجماعة غلوا في التجريد والتوحيد حتى تجردوا عن كل لباس مخيط وعن كل بيت مسقوف وعن كل باب ليتهنل م فتوح؛ وقالوا: البر والطاعة والاخلاص في التوحيد والعبادة في مثل هذا التجريد حتى يصح منا لبيك اللهم لبيك إلى قولهم لا شريك لك؛ فصرفهم الله تعالى عن مثل هذا الغلو في -322 ب * التجريد وقال: (ولكن البر من اتقى). أنتم ترون البر في مثل هذا التجريد كما رأى قوم البر في مثل ذلك التوحيد؛ ونحن وضعنا البر في شخص وهو من امن بالله ومن اتقى بتقوى الله؛ فلا بد من اتباعه لاتباع أمر الله.

Page 853