اعلم أن هذا الخبر وإنْ لم يرجع شيْءٌ من لفظه إلى ما هو صِفَةٌ من صفات الله؛ فإنَّ لفظه مُشْكِلٌ، وكان القائل له رجلًا موحدًا مَغفورًا له، فوجب أنْ يوقف على معناه ليزول الإشكال.
أمَّا قوله: "أضل الله" أي أنساه، كما قال تعالى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢]. وقول: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]. أي: تنساه، وقيل في بعض الوجوه في تأويل قوله سبحانه: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]. أي ناسيًا فذكَّرك، والعرب تقول: ضَلَلْتُ كذا وأَضْلَلْته، أي نسيته (^١).
وإذا كان ذلك معنى الضلال ها هنا؛ فمراده أن الله سبحانه يُميتُني ولا يبعثني فاستريح مِنْ عذابه، والعرب تقول: ضَلَّ الماء في البئر، إذا غَابَ فيه ولم يَبِنْ، ويكون تحقيق معنى قوله: "أضل الله" أي: لعلَّ الله لا ينشرني ولا يُبعثني فاستريح من عذابه، وهذا إظْهار الجَزَعِ والخوف والخشية بأبلغ ما يكون في بابه، لا أنَّه كان يعتقد قائله أنّه يجوز أنْ ينسى الله أحدًا، أو يُمكن أنْ يفوته شيء.
٣٨٨ - ومثل ذلك ما روي عن عمر ﵁ أنَّه كان يقول في دعائه: اللهم وإنْ كنتَ كتَبْتَني شَقِيًا فامحني واكتبني سعيدًا (^٢).
(^١) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير في علم التفسير" (٩/ ١٥٩) فقال: "الخامس: وجدك نسِيًّا فهداك إلى الذكر، ومثله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] قاله ثعلب".
والذي قاله جمهور المفسرين فيها: أنه وجده ضالًا عن معالم النبوة وأحكام الشريعة فهداه إليها.
(^٢) إسناده صحيح، أخرجه ابن جرير (١٣/ ١١٢ - ١١٣) من طرق عن أبي حكيمة عن أبي عثمان النهدي قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول وهو يَطوف بالكعبة: "اللهم إنْ كنتَ كتبتني في أهل السَّعادة فأثْبتني فيها، وإن كنت كتبتَ عليَّ الذنبَ والشِّقْوَة فامْحُني وأَثْبتني في أهل السعادة، فإنك تَمحو ما تَشاء وعندك أُم الكتاب".=
1 / 459
مقدمة المؤلف
الفصل الثاني في إثبات رؤيته لله سبحانه في تلك الليلة
الفصل الثالث وضع الكف بين كتفيه
الفصل الرابع جواز إطلاق تسمية الصورة عليه
الفصل الخامس قول النبي ﷺ "لا أدري" لما قيل: له "فيم يختصم الملأ الأعلى"
[إثبات صفة الشخص والغيرة لربنا جل شأنه] [حديث آخر]