Ibṭāl al-taʾwīlāt

إبطال التأويلات

Editor

أبي عبد الله محمد بن حمد الحمود النجدي

Publisher

غراس للنشر والتوزيع

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٣٤ هـ - ٢٠١٣ م

Publisher Location

الكويت

مُقَدِّمة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله [الذى] جعل في كل زمان بقايا من أهل العلم، يدعون من ضلَّ إلى الهدى، وينهونه عن الردى، يُحيون بكتاب الله تعالى الموتى، وبسنَّة رسول الله ﷺ أهل الجهالة والردى، فكم من قتيلٍ لإبليس قد أحيوه، وكم من ضالٍّ تائه قد هدوه، فما أحسن آثارهم على الناس، ينفون عن دين الله ﷿ تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الضالين، الذين عقدوا ألوية البدع، وأطلقوا عنان الفتنة، يقولون على الله، وفي الله -تعالى الله عما يقول الظالمون عُلوًّا كبيرًا- وفي كتابه بغير علم، فنعوذ بالله من كل فتنة (^١).
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، ﷺ وعلى آله وأصحابه، ومن سار على هديه وتمسك بسنته إلى يوم الدين.
وبعد: فإن كتاب "إبطال التأويلات لأخبار الصفات" للقاضي أبي يعلى الفرَّاء كان يعد إلى زمن قريب من الكتب المفقودة (^٢).
وهو كتاب فريد في بابه: إذ تضمن الرد على تأويلات الأشاعرة والمعتزلة لأحاديث الصفات، وبيان مذهب السلف فيها، وهو إثباتها والإيمان بها، ونفي التكييف عنها والتمثيل لها، فهذا هو التوحيد الذي بيّنه الله تعالى في كتابه، وكان عليه رسوله ﷺ وصحابته الكرام، والتابعين لهم بإحسان.

(^١) من رسالة الإمام أحمد بن حنبل إلى مسدد بن سرهد -انظرها في "طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلى (١/ ٣٤٢ - ٣٤٥).
(^٢) ذكره الشيخ محمد أبو فارس في كتابه "القاضي أبي يعلى الفراء وكتابه الأحكام السلطانية".

1 / 5

وليس التوحيد هو ما يدعيه أولئك المبتدعة، من وجوب تأويل الصفات وتفسيرها بما يليق بالله تعالى!!
وأن إثبات حقائقها ومعانيها يقتضي تشبيه الله بخلقه! زعموا!!
وسموا أهل السنة والجماعه الذين وصفوا الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ سموهم مجسمة حشوية!
ولا يضر أهل السنة تسمية أهل البدع لهم بما ينفر الناس عنهم فلهم في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، فقد سماه المشركون بالساحر والكاهن والمجنون والشاعر.
ورحم الله تعالى من قال:
فإن كان تجسيمًا ثبوت استوائه … على عرشه إني إذا لمجسمُ
وإنْ كان تشبيهًا ثبوت صفاته … فمن ذلك التشبيه لا أتكتمُ
وإن كان تنزيهًا جُحود استوائهِ … وأوصافه أو كونه لا يتكلمُ
فعن ذلك التنزيه نزَّهت ربَّنا … بتوفيقه والله أعلم وأعظمُ
فنحن ننزه ربنا عن ذلك الشرك الذي وقعوا فيه، وهو شرك التعطيل لصفات ربنا ﵎، بل والتشبيه أيضًا!! فمن عطل صفات الخالق فقد شبهه بالجمادات والمعدومات والممتنعات! فكان كالمستجير من الرمضاء بالنار! فإن التشبيه بالمعدوم والممتنع، أفظع من التشبيه بالموجود.
وما من معطل، عطل صفة لله تعالى إلا ووقع في شر مما يزعم أنه فرَّ منه، كحال الذين تأولوا نصوص العلو والفوقية والاستواء، فرارًا من التحيز والحصر -بزعمهم- ثم قالوا: هو في كل مكان بذاته؟! فنزهوه عن استواءه الذي أثبته لنفسه ومباينته لخلقه، وجعلوه في أجواف البيوت

1 / 6

والناس والآبار والأواني والأماكن التي يُرغب عن ذكرها لقذارتها!! ثم إنَّ التأويل يتضمن القدح في علم الله تعالى، وبيانه لعباده الحق والهدى؛ لأنهم يزعمون أن الحق هو التأويل الذي يذهبون إليه، وهو يخالف ظواهر النصوص، فإما أن يكون الله تعالى عالمًا أن الحق في تأويلات النفاة المعطلين، أو لا يعلم ذلك!! فإن لم يعلم ذلك كان ذلك قدحًا في علمه!
وإن كان عالمًا أن الحق فيها، فلا يخلو أن يكون قادرًا على التعبير بعباراتهم التي هي تنزيه الله -بزعمهم- عن التشبيه والتمثيل والتجسيم، فتركها إلى غيرها من العبارات التي توهم التشبيه! أو لا يكون قادرًا على تلك العبارات التي زعموا أن فيها التنزيه!! وكلا الأمرين يعلم بطلانه بالضرورة! ويتعالى عنهما ربنا علوًّا كبيرًا.
ثم إذا تأوَّل أحدٌ ظاهر آية أو خبر، ثم جاء غيره وتأول الآية أو الخبر على غير تأويله، وزعم أنه الصواب، ثم جاء ثالث وهكذا، فكيف يمكن للمسلم أن يعرف الحق، وهل يُحسم هذا الشر إلا بسدِّ بابه؟
ثم لو تكلم الواحد مِنَّا بكلامٍ، هل يرضى أن يقال له: إنك لا تريد ظاهر ما تقول، وإنما تريد كذا وكذا، لأمرٍ لم يذكره في ظاهر كلامه؟!
فكيف بعد ذلك يكون مذهب المؤوله النفاة المعطلة للصفات أصحاب التحريف هو الصواب، ومذهب أهل الإثبات والإتباع لنصوص الكتاب والسنة والإمرار لها على ظاهرها، هو الباطل!!
سبحانك هذا بهتان عظيم!
وبعد: فإن هذا الكتاب يعالج هذه القضية العقدية، والذي حاول فيه مؤلفه

1 / 7

أن يرد على كل تأويلات المؤولة لأحاديث الصفات، وقد وُفّق إلى حدٍّ كبير في ردوده.
والكتاب لا يخلو من هفوات وأخطاء، كما هو شأن جميع الكتب، فقد أبى الله أن يتم إلا كتابه، كما قال الشافعي ﵀ وسيأتي المزيد من البيان لمنهج المصنف في كتابه هذا في الكلام على عقيدته.
والآن إلى ذكر ترجمة المصنف.
* * *

1 / 8

ترجمة المؤلف
هو الإمام العلّامة شيخ الحنابلة، القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد البغدادي الحنبلي، ابنُ الفرَّاء، صاحب التَّعليقة الكبرى، والتصانيف المفيدة في المذهب.
مولده: ولد لتسعٍ وعشرين أو ثمان وعشرين ليلة خلت من المحرم، سنة ثمانين وثلاث مئة.
عائلته: نشأ في بيت علم، فقد كان والده أبو عبد الله قد درس على أبي بكر الرازي مذهب أبي حنيفة، قال عنه الذهبي: وكان أبوه من أعيان الحنفية ومن شهود الحضرة، وتوفي في سنة تسعين وثلاث مئة، وكان سن أبي يعلى في ذلك الوقت عشر سنين إلا أيام.
طلبه للعلم: بعد وفاة أبيه، كان وصيه رجل يعرف بـ "الحربي" يسكن بدار القز، فنقله من باب الطاق إلى شارع دار القز، وفيه مسجد يصلي فيه شيخ صالح يعرف بابن مفرحة المقرئ، يُقرئ القرآن، ويُلقِّن من يقرأ عليه العبادات من مختصر الخرقي، فلقنه ما جرت عادته بتلقينه من العبادات، فاستزاده فقال له ذلك الشيخ: هذا القدر الذي أحسنته، فإن أردت زيادة فعليك بالشيخ أبي عبد الله بن حامد (وهو الحسن بن حامد البغدادي الوراق الحنبلي) فإنه شيخ هذه الطائفة، فمضى إليه وصحبه إلى أن توفي ابن حامد في سنة ثلاث وأربع مئة، وتفقه عليه وبرع في ذلك، وتصدر بأمره للإفادة سنة اثنتين وأربع مئة.
ورزقه الله حفظ القرآن، والقراءة بالعشر، والعلم بالحلال والحرام،

1 / 9

والأحكام والفرائض، وعلم الأصول والفروع، إلى جانب ما كان يتمتع به من شرف الأخلاق، والفضل والفهم، والزهد والقناعة.
شيوخه:
أول سماعه للحديث كان سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. وسمع من أبي الحسين السكري عن أحمد بن عبد الجبار الصوفي عن يحيى بن معين وغيره.
وسمع أيضًا من جماعة عن البغوي. وقد حدث عن البغوي عن أحمد بن حنبل.
وسمع من أبي القاسم موسى بن عيسى السراج عن البغوي وغيره.
ومن أبي الحسن علي بن معروف عن البغوي، وابن صاعد، وابن أبي داود، وغيرهم.
ومن أبي القاسم بن حبابة عن البغوي عن علي بن الجعد عن شعبة وغيره.
ومن أبي الحسن علي بن معروف عن البغوي، وابن صاعد، وابن أبي داود، وغيرهم.
ومن أبي القاسم بن حبابة عن البغوي عن علي بن الجعد عن شعبة وغيره.
ومن أبي الطيب بن المنار عن البغوي، وابن صاعد وغيرهما.
ومن أبي طاهر المخلص عن البغوي وابن صاعد وغيرهم.
ومن أبي القاسم عيسى بن علي الوزير عن البغوي وغيره.
ومن أبي القاسم بن سويد عن ابن مجاهد وابن الأنباري وغيرهما.
ومن أبي القاسم الصيدلاني عن ابن صاعد وغيره.
ومن أم الفتح بنت القاضي أبي بكر أحمد بن كامل.
ومن جده لأمه أبي القاسم بن حنيفا.

1 / 10

ومن أبي عبد الله عن أبي بكر محمد بن إسحاق بن عبد الرحيم السويس وغيره. ومن أبي محمد عبد الله بن أحمد بن مالك البيع بانتقاء ابن أبي الفوارس.
ومن القاضي أبي محمد الأكفاني.
ومن أبي نصر بن الشاه.
ومن أبي عبد الله النيسابوري.
ومن أبي الحسن الحمامي، ومن أبي الفتح بن أبي الفوارس.
وسمع بمكة ودمشق وحلب في آخرين.
وابتدأ بالتصنيف والتدريس بعد وفاة شيخه ابن حامد.
وحج سنة أربع عشرة وأربعمائة. وعاد إلى تدريسه وتصنيفه في الفروع والأصول والآداب، وانقطاعه عن الدنيا وما يؤول إلى الذهاب.
* تلاميذه:
فأما عدد أصحابه، الذين سمعوا منه الحديث: فالعدد الكثير، والجم الغفير منهم: أحمد بن علي بن ثابت (الخطيب البغدادي)، وعبد العزيز العاصمي النخشبي، وعمر بن أبي الحسن الدهستاني الخياط، وهبة الله ابن عبد الوارث الشيرازي، وإسحاق بن عبد الوهاب بن منده الحافظ المقرئ، ومكي بن بجير الهمداني، وعمر الغرموي، وأحمد بن الحسن ابن خيرون، وأبناء خاله: أبو طاهر، وأبو غالب، وأبو الحسين بن الطيوري، وأبو يعلي البرداني، وأبو الغنائم بن النرسي الكوفي، وأبو بكر القطان المقدسي، وأبو منصور الخياط، وأبو منصور الرميسيني، وأبو منصور بن الأنبياري، ومحمد بن عمارة العكبري، ومحمد بن أحمد بن مردين، وأبو العباس المخلطي، وأحمد بن العلثي، وأبو بكر، وأبو

1 / 11

الحسين ابنا ابن يوسف، وابنا عمهما أبو محمد، وأبو الحسن بن رضوان، وابنا عمه: أبو نصر، وأبو الحسين، وأبو جعفر الأصفهاني، وأبو الكرم المبارك بن فاخر النحوي، وأخوه أبو عبد الله بن الدباس، وأبو طاهر، وأبو القاسم ابنا البلدي، وأبو نصر ياسر، وأبو العز العكبريان في آخرين.
فأما الذين تفقهوا عليه وسمعوا الحديث: فأبو الحسين البغدادي، والشريف أبو جعفر، وأبو الغنائم بن الغُباري، وأبو الغنائم بن زبيبا، وأبو علي بن البناء، وأبو الوفا بن القواس، والقاضي أبو علي البرديني، والقاضي أبو الفتح بن جلبة، وعلي بن عمرو الحراني، وأبو ياسر بن الحصري، وأبو عبد الله الأنماطي، والحسين بن البرداني، وأبو الحسن النهري أبو الفتح، وأبو البركات بن شبلي، وأبو محمد شافع، وأبو الوفاء بن عقيل، وطلحة العاقولي، ومحفوظ الكلوذاني وأبو الحسن بن ظفر العكبري، وأبو الفرج المقدسي، وأبو الحسن بن زفر العكبري، وأبو عبد الله البرداني، وأبو الحسن بن ركاب، وأبو عبد الله الباجسرائي، وأبو يعلى بن الكَيَّال، وجعفر الدريحاني، والأخ أبو القاسم، وغيرهم ممن يشق إحصاء أسمائهم.
جلوسه للإملاء:
كانت له حلقة كبيرة بجامع "المنصور" ببغداد وصفها ابنه في طبقاته فقال:
ولقد حضر الناس مجلسه، وهو يملي حديث رسول الله ﷺ بعد صلاة
الجمعة بجامع المنصور على كرسي عبد الله بن إمامنا أحمد ﵁،
وكان المبلغون عنه في حلقته، والمستملون ثلاثة. أحدهم: خالي أبو
محمد جابر، والثاني: أبو منصور بن الأنباري، والثالث: أبو علي البرداني.
وأخبرني جماعة من الفقهاء ممن حضر الإملاء: أنهم سجدوا في حلقة

1 / 12

الإملاء على ظهور الناس، لكثرة الزحام في صلاة الجمعة، في حلقة الإملاء.
وما رأى الناس في زمانهم مجلسًا للحديث اجتمع فيه ذلك الجم الغفير، والعدد الكثير.
وسمعت من يذكر: أنه حزر العدد بالألوف. وذلك مع نباهة من حضر من الأعيان، وأماثل هذا الزمان، من النقباء، وقاضي القضاة والشهود والفقهاء. وكان يومًا مشهودًا، والناس إذ ذاك يسمعون، والكتبة يكتبون.
وحضرت أنا أكثر أماليه بجامع "المنصور".
أخلاقه وزهده وورعه:
وصفه ابنه في الطبقات فقال: ومعلوم ما خصه الله به -مع موهبة العلم والديانة- من التعفف والصيانة، والمروءة الظاهرة، والمحاسن الكثيرة الوافرة، مع هجرانه لأبواب السلاطين، وامتناعه على ممر السنين: أن يقبل لأحدٍ منهم صلة وعطية، ولم تزل ديانته ديانته ومروءته لما هذا سبيل أبِيَّة.
وكان يقسم ليله كله أقسامًا: فقسم للمنام، وقسم للقيام، وقسم لتصنيف الحلال والحرام.
ولقد نزل به ما نزل بغيره من النكبات التي استكان لها كثير من ذوي المروءات، وخرج بها عن مألوفات العادات، فلم يحفظ عليه أنه خرج عن جميل عاداته، ولا طرح المألوف من مروءاته.
ومن شاهد ما كان عليه من السكينة والوقار، وما كسا الله وجهه من الأنوار، مع السكون والسمت والصالح، والعقل الغزير الراجح، شهد له بالدين والفضل ضرورة، واستدل بذلك على محاسنه الخفية المستورة (^١).

(^١) طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٣).

1 / 13

قال: وكان ينهانا دائمًا عن مخالطة أبناء الدنيا والاجتماع بهم، ويأمرنا بالاشتغال بالعلم، ومخالطة الصالحين (^١).
وقال النهري: لما قدم الوزير ابن دراست عبرت أبصره، ففاتني درس ذلك اليوم، فلما حضرت قلت: يا سيدنا تتفضل وتعيد لي الدرس؟ فقال (أي أبو يعلى): أين كنت في أمسنا؟ فقلت: مضيت أبصرت ابن دراست. فأنكر عليَّ ذلك إنكارًا شديدًا، وقال: ويحك، تمضي وتنظر إلى الظلمة؟! وعنفني على ذلك (^٢).
ومضى مرة لتهنئة الإمام القائم بالله بعد معافاته من مرض كان به، فأمر له بجائزة سنية، يقول الراوي: فوالله ما مسَّها ولا قبلها، فروجع في ذلك فأبى (^٣).
ووقع نهب في الجانب الغربي من بغداد، فظلَّ يقتات على الخبز اليابس يبله بالماء، ويقول: هذه الأطعمة نُهوب وغصوب، ولا أطعم من ذلك شيئًا. فبقي يتقوت من ذلك الخبز اليابس إلى أن لحقه مرض من ذلك الخبز المبلول (^٤).
ووصفه الذهبي في السير (١٨/ ٩٠) بقوله: وكان ذا عبادة وتهجُّد، وملازمة للتنصيف، مع الجلالة والمهابة.
توليه القضاء:
لما توفي القاضي ابن ماكولا، احتاج القائم بأمر الله إلى قاض عالم

(^١) المصدر السابق (٢/ ٢٢٢).
(^٢) المصدر السابق (٢/ ٢٢٢).
(^٣) المصدر السابق (٢/ ٢٢٢).
(^٤) المصدر السابق (٢/ ٢٢٢).

1 / 14