379

Ghidhaʾ al-albāb fī sharḥ manẓūmat al-ādāb

غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

Publisher

مؤسسة قرطبة

Edition

الثانية

Publication Year

1414 AH

Publisher Location

مصر

فِي الْمُسْتَوْعِبِ فِي قَوْلِهِ وَإِنْ كَانَا فَاسِقَيْنِ أَنَّ الْكَافِرَيْنِ لَا تَجِبُ طَاعَتُهُمَا.
وَيُوَافِقُهُ مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ لَا إذْنَ لِلْكَافِرِ فِي الْجِهَادِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَمْ لَا، وَيُعَامِلُهُمَا بِمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَتْ أَسْمَاءُ ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقُ «﵄ جَاءَتْنِي أُمِّي مُشْرِكَةً فَسَأَلْت النَّبِيَّ ﷺ أَصِلُهَا؟ قَالَ نَعَمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَيُرْوَى أَنَّهُ نَزَلَ فِيهَا ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] إلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَقْبَلَ هَدِيَّتَهَا وَأَنْ تُدْخِلَهَا بَيْتَهَا.
قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَهَذِهِ الْآيَةُ رُخْصَةٌ فِي الَّذِينَ لَمْ يَنْصِبُوا الْحَرْبَ لِلْمُسْلِمِينَ وَجَوَازُ بِرِّهِمْ وَإِنْ كَانَتْ الْمُوَالَاةُ مُنْقَطِعَةً، وَتَقَدَّمَ فِي صِلَةِ الرَّحِمِ. وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا تَجِبُ طَاعَةُ الْأَبِ الْمُشْرِكِ كَالْمُسْلِمِ، لَا سِيَّمَا فِي تَرْكِ النَّوَافِلِ وَالطَّاعَاتِ. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَهَذَا أَمْرٌ ظَاهِرٌ وَلِذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا سَبِيلَ لِلْوَالِدَيْنِ الْكَافِرَيْنِ مِنْ مَنْعِهِ مِنْ الْجِهَادِ فَرْضًا كَانَ أَوْ نَفْلًا، وَطَاعَتُهُمَا حِينَئِذٍ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ مَعُونَةٌ لِلْكُفَّارِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَبَرَّهُمَا وَيُطِيعَهُمَا فِيمَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ. كَذَا قَالَ. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى. وَلَعَلَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
مَطْلَبٌ: فِي تَقْدِيمِ بِرِّ الْأُمِّ عَلَى الْأَبِ
(الثَّانِي): قَدْ عُلِمَ أَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ وَاجِبٌ، لَكِنْ يُقَدَّمُ بِرُّ الْأُمِّ عَلَى الْأَبِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ أُمُّكَ، قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أُمُّكَ، قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أُمُّكَ، قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أَبُوكَ» فَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَحَبَّةَ الْأُمِّ وَالشَّفَقَةَ عَلَيْهَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ ثَلَاثَةَ أَمْثَالِ الْأَبِ لِذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْأُمَّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَذِكْرِ الْأَبِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَالسِّرُّ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ الْأُمَّ تَنْفَرِدُ عَنْ الْأَبِ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ صُعُوبَةُ الْحَمْلِ، وَصُعُوبَةُ الْوَضْعِ، وَصُعُوبَةُ الرَّضَاعِ، فَهَذِهِ تَنْفَرِدُ بِهَا الْأُمُّ وَتَشْقَى بِهَا ثُمَّ تُشَارِكُ الْأَبَ فِي التَّرْبِيَةِ.

1 / 386

Ghidhaʾ al-albāb fī sharḥ manẓūmat al-ādāb | Usul