581

Al-Faṣl fī al-milal waʾl-ahwāʾ waʾl-niḥal

الفصل في الملل والأهواء والنحل

Publisher

مكتبة الخانجي

Publisher Location

القاهرة

لَا يحل وَلَو كَانَ هَذَا لما أخلا الله ﷿ هَذَا الحكم عَن دَلِيل وبرهان يبين بِهِ رُجُوع الْمَنْسُوخ نَاسِخا لقَوْله تَعَالَى فِي الْقُرْآن تبيانًا لكل شَيْء وبرهان آخر وَهُوَ أَن الله ﷿ قَالَ ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَينهمَا فَإِن بَغت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء﴾ لم يخْتَلف مسلمان فِي أَن هَذِه الْآيَة الَّتِي فِيهَا فرض قتال الفئة الباغية محكمَة غير مَنْسُوخَة فصح أَنَّهَا الحاكمة فِي تِلْكَ الْأَحَادِيث فَمَا كَانَ مُوَافقا لهَذِهِ الْآيَة فَهُوَ النَّاسِخ الثَّابِت وَمَا كَانَ مُخَالفا لَهَا فَهُوَ الْمَنْسُوخ الْمَرْفُوع وَقد ادّعى قوم أَن هَذِه الْآيَة وَهَذِه الْأَحَادِيث فِي اللُّصُوص دون السُّلْطَان
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا بَاطِل مُتَيَقن لِأَنَّهُ قَول بِلَا برهَان وَمَا يعجز مُدع أَن يَدعِي فِي تِلْكَ الْأَحَادِيث أَنَّهَا فِي قوم دون قوم وَفِي زمَان دون زمَان وَالدَّعْوَى دون برهَان لَا تصح وَتَخْصِيص النُّصُوص بِالدَّعْوَى لَا يجوز لِأَنَّهُ قَول على الله تَعَالَى بِلَا علم وَقد جَاءَ عَن رَسُول الله ﷺ أَن سَائِلًا سَأَلَهُ عَن من طلب مَاله بِغَيْر حق فَقَالَ ﵇ لَا تعطه قَالَ فَإِن قاتلني قَالَ قَاتله فَإِن قَتله قَالَ إِلَى النَّار قَالَ فَإِن قتلني قَالَ فَأَنت فِي الْجنَّة أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ وَصَحَّ عَنهُ ﵇ أَنه قَالَ الْمُسلم أَخُو الْمُسلم لَا يسلبه وَلَا يَظْلمه وَقد صَحَّ أَنه ﵇ قَالَ فِي الزَّكَاة من سَأَلَهَا على وَجههَا فليعطها وَمن سَأَلَهَا على غير وَجههَا فَلَا يُعْطهَا وَهَذَا خبر ثَابت روينَاهُ من طَرِيق الثِّقَات عَن أنس بن مَالك عَن أبي بكر الصّديق عَن رَسُول الله ﷺ وَهَذَا يبطل تَأْوِيل من تَأْوِيل أَحَادِيث الْقِتَال عَن المَال على اللُّصُوص لَا يطْلبُونَ الزَّكَاة وَإِنَّمَا يَطْلُبهُ السُّلْطَان فاقتصر ﵇ مَعهَا إِذا سَأَلَهَا على غير مَا أَمر بِهِ ﵇ وَلَو اجْتمع أهل الْحق مَا قاواهم أهل الْبَاطِل نسْأَل الله المعونة والتوفيق
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَمَا اعْترضُوا بِهِ من فعل عُثْمَان فَمَا علم قطّ أَنه يقتل وَإِنَّمَا كَانَ يراهم يحاصرون فَقَط وَهُوَ لَا يرَوْنَ هَذَا الْيَوْم للْإِمَام الْعدْل بل يرَوْنَ الْقِتَال مَعَه ودونه فرضا فَلَا حجَّة لَهُم فِي أَمر عُثْمَان ﵁ وَقَالَ بَعضهم إِن فِي الْقيام إِبَاحَة الْحَرِيم وَسَفك الدِّمَاء وَأخذ الْأَمْوَال وهتك الأستار وانتشار الْأَمر فَقَالَ لَهُم الْآخرُونَ كلا لِأَنَّهُ لَا يحل لمن أَمر بِالْمَعْرُوفِ وَنهي عَن الْمُنكر أَن يهتك حريمًا وَلَا أَن يَأْخُذ مَالا بِغَيْر حق وَلَا أَن يتَعَرَّض لمن لَا يقاتله فَإِن فعل شَيْئا من هَذَا فَهُوَ الَّذِي فعل مَا يَنْبَغِي أَن يُغير عَلَيْهِ وَأما قَتله أهل الْمُنكر قَالُوا أَو كَثُرُوا فَهَذَا فرض عَلَيْهِ وَأما قتل أهل الْمُنكر النَّاس وَأَخذهم أَمْوَالهم وهتكهم حريمهم كُله من الْمُنكر الَّذِي يلْزم النَّاس تَغْيِيره وَأَيْضًا فَلَو كَانَ خوف مَا ذكرُوا مَانِعا من تَغْيِير الْمُنكر وَمن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ لَكَانَ هَذَا بِعَيْنِه مَانِعا من جِهَاد أهل الْحَرْب وَهَذَا مَالا يَقُوله مُسلم وَإِن ادّعى ذَلِك إِلَى سبي النَّصَارَى نسَاء الْمُؤمنِينَ وَأَوْلَادهمْ وَأخذ أَمْوَالهم وَسَفك دِمَائِهِمْ وهتك حريمهم وَلَا خلاف بَين الْمُسلمين فِي أَن الْجِهَاد وَاجِب مَعَ وجود هَذَا كُله وَلَا فرق بَين الْأَمريْنِ وكل ذَلِك جِهَاد وَدُعَاء إِلَى الْقُرْآن وَالسّنة
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَيُقَال لَهُم مَا تَقولُونَ فِي سُلْطَان جعل الْيَهُود أَصْحَاب أمره وَالنَّصَارَى جنده وألزم الْمُسلمين الْجِزْيَة وَحمل السَّيْف على أَطْفَال الْمُسلمين وأباح المسلمات للزِّنَا وَحمل السَّيْف على كل من وجد من الْمُسلمين وَملك نِسَاءَهُمْ وأطفالهم وأعلن الْعَبَث بهم وَهُوَ فِي كل ذَلِك مقرّ بِالْإِسْلَامِ مُعْلنا بِهِ لَا يدع الصَّلَاة فَإِن قَالُوا لَا يجوز الْقيام عَلَيْهِ بل قيل لَهُم أَنه لَا يدع مُسلما إِلَّا قَتله جملَة وَهَذَا أَن ترك أوجب ضَرُورَة أَلا يبْقى إِلَّا هُوَ وَحده وَأهل الْكفْر مَعَه فَإِن أَجَازُوا الصَّبْر

4 / 134