580

Al-Faṣl fī al-milal waʾl-ahwāʾ waʾl-niḥal

الفصل في الملل والأهواء والنحل

Publisher

مكتبة الخانجي

Publisher Location

القاهرة

الضَّرْب وَإِن ضرب ظهر أَحَدنَا وَأخذ مَاله وَفِي بَعْضهَا فَإِن خشيت أَن يسهرك شُعَاع السَّيْف فاطرح ثَوْبك على وَجهك وَقل إِنِّي أُرِيد أَن تبوء بإثمي وإثمك فَتكون من أَصْحَاب النَّار وَفِي بَعْضهَا كن عبد الله الْمَقْتُول وَلَا تكن عبد الله الْقَاتِل وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿واتل عَلَيْهِم نبأ ابْني آدم بِالْحَقِّ إِذْ قربا قربانًا فَتقبل من أَحدهمَا وَلم يتَقَبَّل من الآخر﴾ الْآيَة
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) كل هَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لما قد تقصيناه غَايَة التَّقَصِّي خَبرا خَبرا بأسانيدها ومعانيها فِي كتَابنَا الموسوم بالاتصال إِلَى فهم معرفَة الْخِصَال وَنَذْكُر مِنْهُ إِن شَاءَ الله هَاهُنَا جملا كَافِيَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد أما أمره ﷺ بِالصبرِ على أَخذ المَال وَضرب الظّهْر فَإِنَّمَا ذَلِك بِلَا شكّ إِذا تولى الإِمَام ذَلِك بِحَق وَهَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ أَنه فرض علينا الصَّبْر لَهُ وَإِن امْتنع من ذَلِك بل من ضرب رقبته إِن وَجب عَلَيْهِ فَهُوَ فَاسق عَاص لله تَعَالَى وَإِمَّا إِن كَانَ ذَلِك بباطل فمعاذ الله أَن يَأْمر رَسُول الله ﷺ بِالصبرِ على ذَلِك برهَان هَذَا قَول الله ﷿ ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾ وَقد علمنَا أَن كَلَام رَسُول الله ﷺ لَا يُخَالف كَلَام ربه تَعَالَى قَالَ الله ﷿ ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى أَن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ فصح أَن كل مَا قَالَه رَسُول الله ﷺ فَهُوَ وَحي من عِنْد الله ﷿ وَلَا اخْتِلَاف فِيهِ وَلَا تعَارض وَلَا تنَاقض فَإِذا كَانَ هَذَا كَذَلِك فيقين لَا شكّ فِيهِ يدْرِي كل مُسلم أَن أَخذ مَال مُسلم أَو ذمِّي بِغَيْر حق وَضرب ظَهره بِغَيْر حق إِثْم وعدوان وَحرَام قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ حرَام عَلَيْكُم فَإذْ لَا شكّ فِي هَذَا وَلَا اخْتِلَاف من أحد من الْمُسلمين فالمسلم مَاله للأخذ ظلما وظهره للضرب ظلما وَهُوَ يقدر على الِامْتِنَاع من ذَلِك بِأَيّ وَجه أمكنه معاون لظالمه على الْإِثْم والعدوان وَهَذَا حرَام بِنَصّ الْقُرْآن وَأما سَائِر الْأَحَادِيث الَّتِي ذكرنَا وقصة ابْني آدم فَلَا حجَّة فِي شَيْء مِنْهَا أما قصَّة ابْني آدم فَتلك شَرِيعَة أُخْرَى غير شريعتنا قَالَ الله ﷿ ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجًا﴾ وَأما الْأَحَادِيث فقد صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ من رأى مِنْكُم مُنْكرا فليغيره بِيَدِهِ إِن اسْتَطَاعَ فَإِن لم يسْتَطع فبلسانه فَإِن لم يسْتَطع فبقلبه وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَان لَيْسَ وَرَاء ذَلِك من الْإِيمَان شَيْء وَصَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ لَا طَاعَة فِي مَعْصِيّة إِنَّمَا الطَّاعَة فِي الطَّاعَة وعَلى أحدكُم السّمع وَالطَّاعَة مَا لم يُؤمر بِمَعْصِيَة فَإِن أَمر بِمَعْصِيَة فَلَا سمع وَلَا طَاعَة وَإنَّهُ ﵇ قَالَ من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد والمقتول دون دينه شَهِيد والمقتول دون مظْلمَة شَهِيد وَقَالَ ﵇ لتأمرن بِالْمَعْرُوفِ ولتنهون عَن الْمُنكر أَو ليعمنكم الله بِعَذَاب من عِنْده فَكَانَ ظَاهر هَذِه الْأَخْبَار مُعَارضا للْآخر فصح أَن إِحْدَى هَاتين الجملتين ناسخة لِلْأُخْرَى لَا يُمكن غير ذَلِك فَوَجَبَ النّظر فِي أَيهمَا هُوَ النَّاسِخ فَوَجَدنَا تِلْكَ الْأَحَادِيث الَّتِي مِنْهَا النَّهْي عَن الْقِتَال مُوَافقَة لمعهود الأَصْل وَلما كَانَت الْحَال فِيهِ فِي أول الْإِسْلَام بِلَا شكّ وَكَانَت هَذِه الْأَحَادِيث الْأُخَر وَارِدَة بشريعة زَائِدَة وَهِي الْقِتَال هَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ فقد صَحَّ نسخ معتن تِلْكَ الحاديث وَرفع حكمهَا حِين نطقه ﵇ بِهَذِهِ الْأُخَر بِلَا شكّ فَمن الْمحَال الْمحرم أَن يُؤْخَذ بالمنسوخ وَيتْرك النَّاسِخ وَأَن يُؤْخَذ الشَّك وَيتْرك الْيَقِين وَمن ادّعى أَن هَذِه الْأَخْبَار بعد أَن كَانَت هِيَ الناسخة فَعَادَت مَنْسُوخَة فقد ادّعى الْبَاطِل وَقفا مَا لَا علم لَهُ بِهِ فَقَالَ على الله مَا لم يعلم وَهَذَا

4 / 133