Al-Faṣl fī al-milal waʾl-ahwāʾ waʾl-niḥal
الفصل في الملل والأهواء والنحل
Publisher
مكتبة الخانجي
Publisher Location
القاهرة
قتل الْحر بِالْعَبدِ وَفِيهِمْ من يرى قتل الْمُؤمن بالكافر وَفِيهِمْ من لَا يرَاهُ فَأَي فرق بَين هَذِه الاجتهادات واجتهاد مُعَاوِيَة وَعَمْرو وَغَيرهمَا لَوْلَا الْجَهْل والعمى والتخليط بِغَيْر علم وَقد علمنَا أَن من لزمَه حق وَاجِب وَامْتنع من أَدَائِهِ وَقَاتل دونه فَإِنَّهُ يجب على الإِمَام أَن يقاتله وَإِن كَانَ منا وَلَيْسَ ذَلِك بمؤثر فِي عَدَالَته وفضله وَلَا بمحب لَهُ فبالمقابل هُوَ مأجور لإجهاده وَنِيَّته فِي طلب الْخَيْر فَبِهَذَا قَطعنَا على صَوَاب عَليّ رَضِي الله عه وَصِحَّة أَمَانَته وَأَنه صَاحب الْحق وَإِن لَهُ أَجْرَيْنِ أجر الِاجْتِهَاد وَأجر الْإِصَابَة وقطعنا أَن مُعَاوِيَة ﵁ وَمن مَعَه مخطئون مجتهدون مأجورون أجرا وَاحِدًا وَأَيْضًا فِي الحَدِيث الصَّحِيح عَن رَسُول الله ﷺ أَنه أخبر عَن مارقة تمرق بَين طائفتين من أمته يَقْتُلهَا أولي الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ فمرقت تِلْكَ المارقة وهم الْخَوَارِج من أَصْحَاب عَليّ وَأَصْحَاب مُعَاوِيَة فَقَتلهُمْ عَليّ وَأَصْحَابه فصح أَنهم أولي الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ وَأَيْضًا الْخَبَر الصَّحِيح من رَسُول الله ﷺ تقتل عمارا الفئة الباغية
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) الْمُجْتَهد الْمُخطئ إِذا قَاتل على مَا يرى أَنه الْحق قَاصِدا إِلَى الله تَعَالَى نِيَّته غير عَالم بِأَنَّهُ مُخطئ فَهُوَ باعثه وان كَانَ مأجور أَو لَا حد عَلَيْهِ إِذا ترك الْقَاتِل وَلَا قَود وَأما إِذا قَاتل وَهُوَ يدْرِي أَنه مُخطئ فَهَذَا الْمُحَارب تلْزمهُ الْمُحَاربَة والقود وَهَذَا يفسق وَيخرج لَا الْمُجْتَهد الْمُخطئ وَبَيَان ذَلِك قَول الله تَعَالَى ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَينهمَا فَإِن بَغت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله﴾ إِلَى قَوْله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ أخوة فأصلحوا بَين أخويكم﴾ فَهَذَا نَص قَوْلنَا دون تكلّف تَأْوِيل وَلَا زَوَال عَن مُوجب ظَاهر الْآيَة وَقد سماهم الله ﷿ مُؤمنين باغين بَعضهم أخوة بعض فِي حِين تقَاتلهمْ وَأهل الْعدْل المبغي عَلَيْهِم والمأمورين بالإصلاح بَينهم وَبينهمْ وَلم يصفهم ﷿ بفسق من أجل ذَلِك التقاتل وَلَا ينقص إِيمَان وَإِنَّمَا هم مخطئون باغون وَلَا يُرِيد وَاحِدًا مِنْهُم قتل آخر وَعمر ﵁ قَتله أَبُو العادية يسَار ابْن سبع السّلمِيّ شهد بيعَة الرضْوَان فَهُوَ من شُهَدَاء الله لَهُ بِأَنَّهُ علم مَا فِي قلبه وَأنزل السكينَة عَلَيْهِ وَرَضي عَنهُ فَأَبُو العادية ﵁ متأول مُجْتَهد مُخطئ فِيهِ بَاغ عَلَيْهِ مأجور آجرا وَاحِدًا وَلَيْسَ هَذَا كقتلة عُثْمَان ﵁ لأَنهم لَا مجَال للِاجْتِهَاد فِي قَتله لِأَنَّهُ لم يقتل أحدا وَلَا حَارب وَلَا قَاتل وَلَا دَافع وَلَا زنى بعد إِحْسَان وَلَا ارْتَدَّ فيسوغ الْمُحَاربَة تَأْوِيل بل هم فساق محاربون سافكون دَمًا حَرَامًا عمدا بِلَا تَأْوِيل على سَبِيل الظُّلم والعدوان فهم فساق مَلْعُون
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَإذْ قد بَطل هَذَا الْأَمر وَصَحَّ أَن عليا هُوَ صَاحب الْحق فالأحاديث الَّتِي فِيهَا الْتِزَام الْبيُوت وَترك الْقِتَال إِنَّمَا هُوَ بِلَا شكّ فِيمَن لم يلح لَهُ يَقِين الْحق أَيْن هُوَ وَهَكَذَا نقُول فَإِذا تبين الْحق فقتال الفئة الباغية فرض بِنَصّ الْقُرْآن وَكَذَلِكَ ان كَانَتَا مَعًا باغيتين فقتالهما وَاجِب لِأَن كَلَام الله ﷿ لَا يُعَارض كَلَام نبيه ﷺ لِأَنَّهُ كُله من عِنْد الله ﷿ قَالَ الله ﷿ ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى أَن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ وَقَالَ ﷿ ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ فصح يَقِينا أَن كل مَا قَالَه رَسُول الله ﷺ فَهُوَ وَحي من عِنْد الله ﷿ وَإِذ هُوَ كَذَلِك فَلَيْسَ شئ مِمَّا عِنْد الله تَعَالَى مُخْتَلفا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَلم يبْق إِلَّا الْكَلَام على الْوُجُوه الَّتِي اعْترض بهَا من رأى قتال عَليّ ﵁
4 / 125