Al-Faṣl fī al-milal waʾl-ahwāʾ waʾl-niḥal
الفصل في الملل والأهواء والنحل
Publisher
مكتبة الخانجي
Publisher Location
القاهرة
بكر ﵁ فَإِنَّهُ قبل أَن ينهاه رَسُول الله ﷺ كَانَ غَايَة الرِّضَا لله لِأَنَّهُ كَانَ إشفاقًا على رَسُول الله ﷺ وَلذَلِك كَانَ الله مَعَه وَهُوَ تَعَالَى لَا يكون مَعَ العصاة بل عَلَيْهِم وَمَا حزن أَبُو بكر قطّ بعد أَن نَهَاهُ رَسُول الله ﷺ عَن الْحزن ولكان ذَلِك على مُحَمَّد ومُوسَى رَسُول الله ﷺ لهَؤُلَاء الأرذال حَيَاء أَو علم لم يَأْتُوا بِمثل هَذَا إِذْ لَو كَانَ حزن أبي بكر عَيْبا عَلَيْهِ لَكَانَ عَيْبا لِأَن الله ﷿ قَالَ لمُوسَى ﵇ ﴿سنشد عضدك بأخيك ونجعل لَكمَا سُلْطَانا فَلَا يصلونَ إلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمن اتبعكما الغالبون﴾ ثمَّ قَالَ تَعَالَى عَن السَّحَرَة أَنهم قَالُوا لمُوسَى ﴿إِمَّا أَن تلقي وَإِمَّا أَن نَكُون أول من ألْقى قَالَ بل ألقوا فَإِذا حبالهم وعصيهم يخيل إِلَيْهِ من سحرهم أَنَّهَا تسْعَى فأوجس فِي نَفسه خيفة مُوسَى قُلْنَا لَا تخف أَنَّك أَنْت الْأَعْلَى﴾ فَهَذَا رَسُول الله ﷺ وكليمه قد كَانَ أخبرهُ الله ﷿ بِأَن فِرْعَوْن وملأه لَا يصلونَ إِلَيْهِ وَأَن مُوسَى وَمن اتبعهُ هُوَ الْغَالِب ثمَّ أوجس فِي نَفسه خيفة بعد ذَلِك إِذْ رأى أَمر السَّحَرَة حَتَّى أوحى الله ﷿ إِلَيْهِ لَا تخف فَهَذَا أَمر أَشد من أَمر أبي بكر وَإِذا لزم مَا يَقُول هَؤُلَاءِ الْفُسَّاق أَبَا بكر وحاشا لله أَن يلْزمه من أَن حزنه لَو كَانَ لما نَهَاهُ رَسُول الله ﷺ لزم أَشد مِنْهُ لمُوسَى ﵇ وَإِن إيجاسه الخيفة فِي نَفسه لَو كَانَ رضَا لله تَعَالَى مَا نَهَاهُ الله تَعَالَى عَنهُ ومعاذ الله من هَذَا بل إيجاس مُوسَى الخيفة فِي نَفسه لم يكن إِلَّا نِسْيَان الْوَعْد الْمُتَقَدّم وحزن أبي بكر ﵁ رضَا لله تَعَالَى قبل أَن ينْهَى عَنهُ وَلم يكن تقدم إِلَيْهِ نهي عَن الْحزن وَأما مُحَمَّد ﷺ فَإِن الله ﷿ قَالَ ﴿وَمن كفر فَلَا يحزنك كفره﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تحزن عَلَيْهِم وَلَا تَكُ فِي ضيق﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا يحزنك قَوْلهم أَن الْعِزَّة لله جَمِيعًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَلَا تذْهب نَفسك عَلَيْهِم حسرات﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فلعلك باخع نَفسك على آثَارهم إِن لم يُؤمنُوا بِهَذَا الحَدِيث أسفا﴾ ووجدناه ﷿ قد قَالَ ﴿قد نعلم أَنه ليحزنك الَّذِي يَقُولُونَ﴾ وَقَالَ أَيْضا فِي الْأَنْعَام فَهَذَا الله تَعَالَى أخبرنَا أَنه يعلم أَن رَسُول الله ﷺ يحزنهُ الَّذِي يَقُولُونَ وَنَهَاهُ الله ﷿ عَن ذَلِك نصا فيلزمهم فِي حزن رَسُول الله ﷺ الَّذِي نَهَاهُ الله تَعَالَى عَنهُ كَالَّذي أَرَادَ فِي حزن أبي بكر سَوَاء بِسَوَاء وَنعم إِن حزن رَسُول الله ﷺ بِمَا كَانُوا يَقُولَن من الْكفْر كَانَ طَاعَة لله تَعَالَى قبل أَن ينهاه الله ﷿ وَمَا حزن ﵇ بعد أَن نَهَاهُ ربه تَعَالَى عَن الْحزن كَمَا كَانَ حزن أبي بكر طَاعَة لله ﷿ قبل أَن ينهاه الله ﷿ عَن الْحزن وَمَا حزن أَبُو بكر قطّ بعد أَن نَهَاهُ ﵇ عَن الْحزن فَكيف وَقد يُمكن أَن يكون أَبُو بكر لم يحزن يَوْمئِذٍ لَكِن نَهَاهُ ﵇ عَن أَن يكون مِنْهُ حزن كَمَا قَالَ تَعَالَى لنَبيه ﵇ ﴿وَلَا تُطِع مِنْهُم آثِما أَو كفورًا﴾ فَنَهَاهُ عَن أَن يطيعهم وَلم تكن مِنْهُ طَاعَة لَهُم وَهَذَا إِنَّمَا يعْتَرض بِهِ أهل الْجَهْل والسخافة ونعوذ بِاللَّه من الضلال
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَاعْترض علينا بعض الْجُهَّال ببعثة رَسُول الله ﷺ عَليّ بن أبي طَالب خلف أبي بكر ﵁ عَنْهُمَا فِي الْحجَّة الَّتِي حَجهَا أَبُو بكر وَأخذ برآءة من أبي بكر وَتَوَلَّى عَليّ تبليغها إِلَى أهل الْمَوْسِم وقرائتها عَلَيْهِم
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا من أعظم فَضَائِل أبي بكر لِأَنَّهُ كَانَ أَمِيرا على عَليّ بن أبي طَالب وَغَيره من أهل الْمَوْسِم لَا يدْفَعُونَ إِلَّا بِدَفْعِهِ وَلَا يقفون إِلَّا بوقوفه وَلَا يصلونَ إِلَّا بِصَلَاتِهِ
4 / 114