Al-Faṣl fī al-milal waʾl-ahwāʾ waʾl-niḥal
الفصل في الملل والأهواء والنحل
Publisher
مكتبة الخانجي
Publisher Location
القاهرة
لله وَإِنِّي لست كهيئتكم وَإِنِّي لست مثلكُمْ فَإذْ قد صَحَّ بِالنَّصِّ أَن فِي النَّاس من لم يجترح السَّيئَة وَإِن من اجترح السيآت لَا يساويهم عِنْد الله ﷿ فالأنبياء ﵈ أَحَق بِهَذِهِ الدرجَة وَبِكُل فَضِيلَة بِلَا خلاف من أحد من أهل الْإِسْلَام بقول الله ﷿ ﴿الله يصطفي من الْمَلَائِكَة رسلًا وَمن النَّاس﴾ فَأخْبر تَعَالَى أَن الرُّسُل صفوته من خلقه وَقد اعْترض علينا بعض الْمُخَالفين بِأَن قَالَ فَمَا تَقول فِيمَن بلغ فَآمن وَذكر الله مَرَّات وَمَات إِثْر ذَلِك أَو فِي كَافِر أسلم وَقَاتل مُجَاهدًا وَقتل فجوابنا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن نقُول أما من كَانَ كَافِرًا ثمَّ أسلم فقد اجترح من السيئآت بِكُفْرِهِ مَا هُوَ أعظم من السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَإِن كَانَ قد غفر لَهُ بإيمانه وَلَكِن قد حصل بِلَا شكّ من جملَة من قد اجترح السيئآت وَأما من بلغ فَآمن وَذكر الله تَعَالَى ثمَّ مَاتَ فقد كَانَ هَذَا مُمكنا فِي طبيعة الْعَالم وَفِي بنيته لَوْلَا قَول الله ﷿ ﴿أم حسب الَّذين اجترحوا السيئآت أَن نجعلهم كَالَّذِين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سَوَاء محياهم ومماتهم سآء مَا يحكمون﴾ فَإِن الله تَعَالَى قطع قطعا لَا يردهُ إِلَّا كَافِر بِأَنَّهُ لَا يَجْعَل من اجترح السَّيِّئَات كمن لم يجترحها وَنحن نوقن أَن الصَّحَابَة ﵃ وهم أفضل النَّاس بعد الْأَنْبِيَاء ﵈ لَيْسَ مِنْهُم أحد إِلَّا وَقد اجترح سَيِّئَة فَكَانَ يلْزم على هَذَا أَن يكون من أسلم أثر بُلُوغه وَمَات أفضل من الصَّحَابَة ﵃ وَهَذَا خلاف قَول النَّبِي ﷺ أَنه لَو كَانَ لِأَحَدِنَا مثل أحد ذَهَبا فأنفقه لم يبلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه فَإِذا هَذَا كَمَا قُلْنَا فَقَوْل الله ﷿ وَقَول رَسُوله ﷺ أَحَق بالتصديق لَا سِيمَا مَعَ قَوْله ﵇ مَا من أحد إِلَّا ألم بذنب أَو كَاد إِلَّا يحيى بن زَكَرِيَّا فَنحْن نقطع قطعا بِمَا ذكرنَا أَنه لَا سَبِيل إِلَى أَن يبلغ أحد حد التَّكْلِيف إِلَّا وَلَا بُد لَهُ من أَن يجترح سيئآت الله أعلم بهَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق.
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن الْبُرْهَان على أَنه لم يكن الْبَتَّةَ أَن يَعْصِي نَبِي قَوْله ﷺ مَا كَانَ لنَبِيّ أَن تكون لَهُ خَائِنَة الْأَعْين لما قَالَ لَهُ الْأنْصَارِيّ هلا أَوْمَأت إِلَى فِي قصَّة عبد الله بن سعد بن أبي سرح فنفي ﵇ عَن جَمِيع الْأَنْبِيَاء ﵈ أَن تكون لَهُم خَائِنَة الْأَعْين وَهُوَ أخف مَا يكون من الذُّنُوب وَمن خلاف الْبَاطِن للظَّاهِر فَدخل فِي هَذَا جَمِيع الْمعاصِي صغيرها أَو كبيرها سرها وجهرها.
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأَيْضًا فإننا مندوبون إِلَى الإقتداء بالأنبياء ﵈ وَإِلَى الإيتساء بهم فِي أفعالهم كلهَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة لمن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْم الآخر﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ فصح يَقِينا أَنه لَو جَازَ أَن يَقع من أحد من الْأَنْبِيَاء ﵈ ذَنْب تعمدا صَغِيرا وكبيرًا كَانَ الله ﷿ قد حضنا على الْمعاصِي وندبنا إِلَى الذُّنُوب وَهَذَا كفر مُجَرّد مِمَّن أجَازه فقد صَحَّ يَقِينا ان جَمِيع أَفعَال الْأَنْبِيَاء الَّتِي يقصدونها خير وَحقّ.
4 / 22