يَعْبُدُونَهُ، قَالُوا: بِشَرٍّ بَدَّلَنَا اللَّهُ مَا جِئْتَ بِهِ، وَقَدْ بَقِيَتْ مِنَّا بَعْدُ بَقَايَا مِنْ شَيْخٍ كَبِيرٍ وَعَجُوزٍ كَبِيرَةٍ مُتَمَسِّكُونَ بِهِ، وَلَوْ قَدْ قَدِمْنَا عَلَيْهِ هَدَمْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقَدْ كُنَّا مِنْهُ فِي غُرُورٍ وَفِتْنَةٍ، فَقَالَ لهم رسول الله ﷺ: «وَمَا أَعْظَمُ مَا رَأَيْتُمْ مِنْ فِتْنَتِهِ»، قَالُوا: لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَأَسْنَتْنَا حَتَّى أَكَلْنَا الرُّمَّةَ، [١] فَجَمَعْنَا مَا قَدَرْنَا عَلَيْهِ، وَابْتَعْنَا مِائَةَ ثَوْرٍ وَنَحَرْنَاهَا لِعَمِّ أَنَسٍ قُرْبَانًا فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَتَرَكْنَاهَا تَرِدُهَا السِّبَاعُ، وَنَحْنُ أَحْوَجُ إِلَيْهَا مِنَ السِّبَاعِ، فَجَاءَنَا الْغَيْثُ مِنْ سَاعَتِنَا، وَلَقَدْ رَأَيْنَا الْعُشْبَ يُوَارِي الرِّجَالَ، وَيَقُولُ قَائِلُنَا: أَنْعَمَ عَلَيْنَا عَمُّ أَنَسٍ. وَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا كَانُوا يَقْتَسِمُونَ لِصَنَمِهِمْ هَذَا مِنْ أَنْعَامِهِمْ وَحُرُوثِهِمْ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَجْعَلُونَ مِنْ ذَلِكَ جُزْءًا لَهُ وَجُزْءًا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ، قَالُوا: كُنَّا نزرع الزرع، فنجعل له وسطه فنسيمه لَهُ، أَوْ نُسَمِّي زَرْعًا آخَرَ حُجْرَةً لِلَّهِ فَإِذَا مَالَتِ الرِّيحُ فَالَّذِي سَمَّيْنَاهُ لِلَّهِ جَعَلْنَاهُ لِعَمِّ أَنَسٍ، وَإِذَا مَالَتِ الرِّيحُ فَالَّذِي جَعَلْنَاهُ لِعَمِّ أَنَسٍ لَمْ نَجَعْلَهُ لِلَّهِ.
فَذَكَرَ لَهُمْ رسول الله ﷺ أن اللَّهَ ﷿ أَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا الآيَةَ [٢]، قَالُوا: وَكُنَّا نَتَحَاكَمُ إِلَيْهِ فَنُكَلَّمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تِلْكَ الشَّيَاطِينُ تُكَلِّمُكُمْ» . وَسَأَلُوهُ عَنْ فَرَائِضِ الدِّينِ فَأَخْبَرَهُمْ، وأمرهم بالوفاء بِالْعَهْدِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ لِمَنْ جَاوَرُوا، وَأَنْ لا يَظْلِمُوا أَحَدًا، قَالَ: فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
ثُمَّ وَدَّعُوهُ بَعْدَ أَيَّامٍ وَأَجَازَهُمْ، وَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، فَلَمْ يَحِلُّوا عُقْدَةً حتى هدموا عم أنس.
الحجرة: الناحية.
[(١)] أي العظام البالية.
[(٢)] سورة الأنعام: الآية ١٣٦.