Al-Kifāya fī ʿilm al-riwāya
الكفاية في علم الرواية
Publisher
جمعية دائرة المعارف العثمانية
Edition
الأولى
Publication Year
1357 AH
Publisher Location
حيدر آباد
لِأَنَّهُ مَعَ الْإِمْسَاكِ عَنْ ذِكْرِهِ غَيْرُ مُعَدِّلٍ لَهُ، فَوَجَبَ أَلَّا يُقْبَلَ الْخَبَرُ عَنْهُ، فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا، لِأَنَّ إِرْسَالَ الثِّقَةِ تَعْدِيلٌ مِنْهُ لِمَنْ أَرْسَلَ عَنْهُ، وَبِمَثَابَةِ نُطْقِهِ بِتَزْكِيَتِهِ، قُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ: أَوَّلُهَا أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِنْ حَالِ الْعُدُولِ أَنَّهُمْ يُمْسِكُونَ عَنْ تَعْدِيلِ الرَّاوِي وَجَرْحِهِ، فَإِذَا سُئِلُوا عَنْهُ جَرَحُوهُ تَارَةً وَعَدَّلُوهُ أُخْرَى، فَعُلِمَ أَنَّ إِمْسَاكَهُمْ عَنِ الْجَرْحِ لَيْسَ بِتَعْدِيلٍ، وَكَذَلِكَ إِمْسَاكُهُمْ عَنِ التَّعْدِيلِ لَيْسَ بِجَرْحٍ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ سَاغَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْإِمْسَاكَ عَنِ الْجَرْحِ تَعْدِيلٌ، لَسَاغَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْإِمْسَاكَ عَنِ التَّعْدِيلِ جَرْحٌ، وَيَدُلُّ عَلَى فَسَادِ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهُ قَدِ اتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْنَعُ مِنَ الْمُعَدِّلِ لِلشُّهُودِ، إِذَا سُئِلَ عَنْهُمْ بِالْإِمْسَاكِ عَنْ جَرْحِهِمْ، وَلَا يُقْنَعُ فِي جَرْحِهِمْ بِالْإِمْسَاكِ عَنْ تَعْدِيلِهِمْ، دُونَ إِيرَادِ لَفْظٍ يَقَعُ بِهِ ذَلِكَ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِمْسَاكَ عَنِ الْمُرْسِلِ عَنْهُ لَيْسَ بِتَعْدِيلٍ لَهُ، أَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُمْسِكُ غَيْرَ عَالِمٍ بِحَالِهِ مِنْ عَدَالَةٍ أَوْ جَرْحٍ، فَيُمْسِكُ عَنِ الْأَمْرَيْنِ لِلْجَهْلِ بِهِمَا، وَهَذَا مُقْتَضَى ظَاهِرِ الْحَالِ فِي الْإِمْسَاكِ عَنْ جَرْحِهِ وَتَعْدِيلِهِ، فَسَقَطَ مَا قَالُوهُ، وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ الْمُخَالِفِ: أَنَّ رِوَايَةَ الْعَدْلِ عَمَّنْ أَرْسَلَ عَنْهُ تَعْدِيلٌ لَهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرَ لَوَجَبَ إِذَا تَرَكَ الْمُحَدِّثُ الرِّوَايَةَ عَمَّنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ، مَعَ عِلْمِهِ بِثِقَتِهِ وَذِكْرِهِ لِسَمَاعِهِ، أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَرْحًا، وَلَمَّا اتُّفِقَ عَلَى فَسَادِ هَذَا، وَأَنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ الْعَدْلُ الرِّوَايَةَ عَمَّنْ يَعْرِفُ عَدَالَتَهُ، جَازَ وَصَحَّ أَيْضًا أَنْ يَرْوِيَ عَمَّنْ يَعْرِفُ جَرْحَهُ أَوْ عَمَّنْ لَا يَعْرِفُهُ عَدْلًا وَلَا مَجْرُوحًا، وَلَا أَقَلَّ مِنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ، فَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ، عَلَى أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا لِلْمُخَالِفِ مَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّ رِوَايَةَ الْعَدْلِ عَمَّنْ أَرْسَلَ عَنْهُ مُمْسِكًا عَنْ جَرْحِهِ، تَعْدِيلٌ لَهُ، وَبِمَثَابَةِ لَفْظِهِ بِتَزْكِيَتِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا وَهُوَ مَرْضِيُّ عِنْدَهُ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْنَا تَقْلِيدُهُ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْرِفَهُ بِالْفِسْقِ، وَمَا يُبْطِلُ الْعَدَالَةَ لَوْ ذَكَرَهُ لَنَا، وَإِنَّمَا نَقْبَلُ تَعْدِيلَهُ إِذَا ذَكَرَ لَنَا الَّذِي أَرْسَلَ عَنْهُ، وَعَرَفْنَا عَيْنَهُ،
1 / 388