الحيض بخلاف الجنابة فإنه يمكن إزالتها في الحال، وهذا القول يجري في النفساء أيضًا.
الثاني: المكث في المسجد وهو حرام على الجنب، روي أنه ﷺ قال: "لاَ أُحِلُّ الْمسجِدَ لِحَائِضٍ وَلاَ جُنُبٍ" (١)، ولا يحرم العبور قال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٢) والمعنى الفارق بين المكث والعبور أن العبور في المسجد لا قربة فيه، وفي المَكث قرية الاعتكاف فمنع منه الجنب، ثم قد يعذر في المكث عند الضرورة كما لو نام في المسجد فاحتلم، ولم يمكن الخروج لإغلاق الباب أو الخوف من العسس، أو غيره على النفس أو المال وليتيمم في هذه الحالة تطهيرًا وتخفيفًا للحدث بقدر الإمكان، وهكذا إذا وجد ترابًا غير تراب المسجد، ولا يتيمم بترابه [لكن لو تيمم به صح والعبور وإن لم يكن حرامًا [فمكروه] (٣) إلا لغرض كما إذا كان المسجد طريقه إلى مقصده، أو كان أقرب الطريقين إليه ولا فرق في الجواز بين أن يكون له سبيل أخر إلى مقصده، وبين أن لا يكون في وجه إنما يجوز إذا لم يجد طريقًا سواه، وليس له أن يتردد في أكتاف المسجد فإن التردد في غير جهة الخروج كالمكث (٤) وليكن قوله: "والمكث في المسجد" معلمًا بالألف، لأن عند أحمد يجوز للجنب المكث إذا توضأ، وبالزاي، لأن عند المزني في الرواية المشهورة يجوز له المكث مطلقًا، وقوله: "أما العبور فلا" معلمًا بالحاء والميم؛ لأن عندهما لا يجوز له العبور أيضًا إلا أن يحتلم في المسجد فله أن يعبر في الخروج، ولا يكلف قصد الباب الأقرب.
قال الغزالي: وَفَضْلُ مَاءِ الجُنُبِ وَالحَائِضِ طَهُورٌ، وَلاَ بَأْسَ لِلْجُنُبِ أَنْ يُجَامِعَ وَيَأْكُلَ وَيَشْرَبَ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ، وَيَغْسِلَ فَرجَهُ عِنْدَ الْجِمَاعِ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان:
(١) أخرجه أبو داود (٢٣٢) والبخاري في التاريخ (١/ ٢/ ٦٢) من حديث عائشة وابن ماجة (٦٤٥) والطبراني في الكبير ج ٢٤ رقم (٨٨٣) وقال ابن الملقن (١/ ٦١) ضعفه البيهقي وغيره، وحسنه ابن القطان من الطريقة الأولى.
(٢) سورة النساء، الآية ٤٣.
(٣) في ط فهو مكروه.
(٤) قال النووي: يجوز للجنب والحائض النوم في المسجد، نص عليه الشافعي في (الأم) والأصحاب ﵏ ولو احتلم في مسجد له بابان، أحدهما أقرب فالأولى أن يخرج منه، فإن عدل إلى آخر لغرض لم يكره، وان لم يكن غرض لم يكره على الأصح -والله أعلم- الروضة (١/ ١٩٨).