عنه- قال: لم يكن يحجب النبي ﷺ عن القرآن شيء سوى الجنابة (١)، ويروى (يحجز)، ولا يستثنى عندنا شيء من الصور إلا إذا لم يجد الجنب ماء، ولا ترابًا وصلى على حسب الحال، ففي جواز قراءة الفاتحة له وجهان:
أحدهما: يجوز، والترخيص في الصلاة ترخيص في قراءة الفاتحة إذ لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، فعلى هذا الوجه تستثنى هذه الصورة.
أصحهما: وهو الأظهر أنه لا يجوز قراءتها كقراءة غيرها ويأتي بالذكر والتسبيح بدلًا كالعاجز عن القراءة (٢) حقيقة، أما إذا قرأ شيئًا منه لا على قصد القرآن فيجوز كما لو قال: باسم الله الرحمن الرحيم على قصد التبرك والابتداء، أو الحمد لله في خاتمة الأمر، أو قال: "سُبْحَانَ اللَّهِ الذِي سَخَّرَ لَنَا هذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ" (٣) على قصد إقامة سنة الركوب، لأنه إذا لم يقصد القرآن لم يكن فيه إخلال بالتعظيم ولو جرى على لسانه ولم يقصد هذا ولا ذاك فلا يحرم أيضًا.
وكما تحرم القراءة على الجنب تحرم على الحائض لما سبق من الخبر، ولأن حدثها أغلظ فيكون الحكم في التحريم أولى.
وعن مالك أنه يجوز لها قراءة القرآن، ورواه أبو ثور عن أبي عبد الله فمن الأصحاب من قال أراد به مالكًا، ونفى أن يكون الجواز قولًا للشافعي ومنهم من قال أراد الشافعي ﵁، وهو قول له في القديم (٤) وهذا ما ذكره في الكتاب فقال: ولا يحل للحائض القراءة لحاجة التعليم وخوف النسيان على الأصح أي من القولين وهذه الطريقة أظهر لأن الشيخ أبا محمد قال: وجدت أبا ثور جمع بينهما في بعض المواضع فقال: قال: أبو عبد الله ومالك فثبت نقل قول الجواز وتوجيهه ما أشار إليه، وهو أنها قد تكون معلمة، فلو منعناها عن القراءة والحيض مما يعرض في كل شهر غالبًا لانقطعت عن حرفتها، ولأن ترك القراءة يؤدي إلى النسيان لامتداد زمان
(١) أخرجه أبو داود (٢٢٩) والترمذي (١٤٦) والنسائي (١/ ١٤٤) وابن ماجة (٥٩٤) وابن حبان، كذا في الموارد (١٩٢) وصححه ابن حبان والحاكم، وقال الترمذي: حسن صحيح، انظر خلاصة البدر المنير (١/ ٦١).
(٢) قال النووي: الأصح الذي قطع به جماهير العراقيين: أنه يجب عليه قراءة الفاتحة، لأنه مضطر إليها -والله أعلم- الروضة (١/ ١٩٧).
(٣) سورة الزخرف، الآية ١٣.
(٤) قال النووي: ولو كان فم غير الجنب والحائض نجسًا، ففي تحريم القراءة عليه وجهان، الأصح يكره ولا يحرم، ولا تكره القراءة في الحمام، ويجوز للحائض والجنب قراءة ما يستحب تلاوته -والله أعلم- الروضة (١/ ١٩٨).