381

وكان الشعبى يرى أنه في الشعر أسلم منه في الحديث حتى قال لاصحابه : لو أردت الله ما خرجت لكم ، ولو أردتم الله ما جئتموني ، ولكنا نحب المدح ونكره الذم . وقال عمرو بن الحارث : ما رأيت علما أشرف ، ولا أهلا أسخف من أهل الحديث ! ! ونظر سفيان إلى أصحاب الحديث فقال : أنتم سخنة عين ، لو أدركنا وإياكم عمر بن الخطاب لاوجعنا ضربا (1) . وقال مغيرة الضبى : والله لانا أشد خوفا منهم (أصحاب الحديث) من الفساق . وقال سفيان الثوري : إنا في هذا الحديث منذ ستين سنة ، ووددت أنى خرجت منه كفافا لا على ولا لى (2) . وعن محمد بن سلام قال : حدثنى يحيى بن سعيد القطان قال : رواة الشعر أعقل من رواة الحديث ، لان رواة الحديث يروون مصنوعا كثيرا ، ورواة الشعر ينشدون المصنوع ينتقدونه ويقولون هذا مصنوع (3) . وسئل المازنى (النحوي الكبير) عن صفات أهل العلم فقال : أصحاب القرآن فيهم تخليط وضعف ، وأهل الحديث فيهم حشو ورقاعة ، والشعراء فيهم هوج (أي طيش وتسرع) ، وأصحاب النحو فيهم ثقل ، وفي رواية الاخبار الظرف كله (4) . ولو أردنا أن ننقل كل ما قيل في جمود رجال الحديث ، لطال بنا نفس القول فنكتفي بذلك . ونختتم هذا الفصل بأمر يؤسى له لانه يدل على مقدار ما أصاب الاسلام من داء التفرق ، فمن فرق المسلمين فرقة المعتزلة وتسمى العدلية ومثلها فرقة تسمى أصحاب

---

(1) كان عمر يضرب من كان يروى الحديث ، وممن ضربهم على ذلك أبا هريرة وكعب الاحبار راجع كتابنا " شيخ المضيرة " . (2) هذه الاخبار وغيرها كثير ، تجدها في الجزء الثاني من كتاب جامع العلم وفضله لحافظ المغرب ابن عبد البر . (3) ص 105 من ذيل الامالى لابي على القالى . (4) ص 123 ج 7 معجم الادباء . (*)

--- [ 385 ]

Page 384