378

الحديث من المتأخرين ، وكم من رجل من متكلمي القدماء أعرف بالاثر من مشيخة زماننا إلخ (1) . هذه هي أقوال أئمة الحديث فيما كانت عليه حالة المحدثين في القرنين الخامس والثامن من الهجرة ، فترى ماذا تكون حال كثيرين من الذين يزعمون اليوم أنهم من المحدثين ، ومبلغ علمهم أنهم قرءوا بعض كتب الحديث واستظهروا عددا مما فيها وهذا وحده لا يكفى لان يكون الانسان به عالما ينتفع بعلمه ، أو يطمئن الناس إلى ما يقوله أو يفتى به . ورحم الله أستاذنا الامام محمد عبده حيث قال - في رجل وصفوه بأنه قد جد واجتهد ، حتى بلغ ما لم يبلغه أحد - فحفظ متن البخاري كله - : " لقد زادت نسخة في البلد . . " حقا والله ما قال الامام . أي أن قيمة هذا الرجل - الذى أعجب الناس جميعا به لانه حفظ البخاري - لا تزيد على قيمة نسخة من كتاب البخاري لا تتحرك ولا تعى ! والذهبي الذى نقلناه عنه هذا الكلام القيم هو المحدث الكبير مؤرخ الاسلام قال فيه العلامة الصفدى فيه كتابه " نكت الهميان " ، اجتمعت به ، وأخذت عنه وقرأت عليه كثيرا من تصانيفه ولم أجد عنده جمود المحدثين ولا كودنة النقلة (2) ولم يقل الصفدى ذلك إلا لما اشتهر بين الناس جميعا من جمود رجال الحديث ، وقد وصفهم كذلك الاستاذ الامام بضيق العطن وحرج الصدر في رسالة الاسلام والنصرانية (3) . وإذا كان الصفدى قد قال ذلك في شيخه لكى يبرئه من نقيصة الجمود الذى عرف بها الذين يشتغلون بالحديث ، فإن شيخه الذهبي نفسه قد قال فيهم ما ننقله من كتابه النفيس " سير أعلام النبلاء " في ترجمة الفقيه المحدث شيخ الاسلام أبى بكر بن عياش :

---

(1) ص 6 و9 و11 . (2) ص 242 . وفي لسان العرب الكودن هو الهجين ، وقيل هو البغل ، ويقال للبرذون الثقيل (كودن) تشبيها بالبغل وفي الاساس أثقل من البرذون . (3) ص 107 من الطبعة الرابعة . (*)

--- [ 382 ]

Page 381