373

بل المعنى به عندهم اللفظ ، لما ينبئ على ذلك من الاحكام اللسانية ، فاعتنى النحويون بالاستنباط مما نقل من كلام العرب عن الثقات ، وتركوا ما نقل من الاحاديث لاحتمال إخراج الراوى لفظ الحديث عن القياس العربي فيكون قد بنى على غير أصل - وذلك من جملة تحريهم في المحافظة على القواعد اللسانية . ولو رأيت اجتهادهم في الاخذ عن العرب وكيفية التلقى عنهم لرأيت العجب ، فليس بمنكر تركهم للاستشهاد بالحديث الشريف والاستنباط منه ، كيف وهم بنوا على ما نقل الالفاظ . إلى أن قال : ولا أعرف له (1) من النحاة سلفا إلا ابن خروف . وكأن ابن مالك - والله أعلم - بنى على القول بمنع رواية الحديث بالمعنى مطلقا ، وهو قول ضعيف يرده المقطوع به من نقل القضايا المتحدة بالالفاظ المختلفة غير مختصة بزمان الصحابة دون غيرهم ولا يقتصر به على العرب دون من عداهم ، ومن تأمل كتب الحديث وجد فيها كثيرا من ذلك بل من الالفاظ الحائدة عن كلام العرب أشياء كثيرة حتى تقع تخطئة الرواة من الائمة الناقدين ، والعلماء العارفين بكلام العرب من غير نكير من غيرهم - قال الشيخ أبو إسحاق الشاطبي - فالحق أن ابن مالك في هذه القاعدة غير مصيب إلخ . . اه . ولعل القارئ قد لاحظ أننا قد أكثرنا من الاستشهاد بكلام أئمة النحو الكبار في هذا الامر ، ولم نفعل ذلك إلا لان في كلام كل إمام منهم من الفوائد ما لا يوجد في غيره ، وأن في أدلتهم جميعا ما يقنع أهل الفكر والرأى ، ولا يمترى فيه إلا جهول أو متعصب . وثم طوائف أخرى وقفت من الحديث مواقف مختلفة كالشيعة والزيدية والخوارج وغيرهم ولكل قوم سنة وإمامها . فأما الشيعة وبخاصة الامامية فإنهم لا يعتبرون من الاحاديث إلا ما صح لهم من طرق أهل البيت عن جدهم ، يعنى ما رواه الصادق " جعفر " عن أبيه الباقر عن أبيه

---

(1) أي لابن مالك . (*)

--- [ 377 ]

Page 376