371

إثبات القواعد الكلية وإنما كان ذلك لامرين : أحدهما : أن الرواة جوزوا النقل بالمعنى فتجد قصة واحدة قد جرت في زمانه صلى الله عليه وسلم ولم تنقل بتلك الالفاظ جميعها نحو ما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم " زوجتكها بما معك من القرآن وملكتكها بما معك " (1) وغير ذلك من الالفاظ الواردة في هذه القصة فتعلم يقينا أنه صلى الله عليه وسلم لم يلفظ بجميع هذه الالفاظ ، بل لا نجزم بأنه قال بعضها إذ يحتمل أنه قال لفظا مرادفا لهذه الالفاظ غيرها فأتت الرواة بالمرادف ولم تأت بلفظه ، إذ المعنى هو المطلوب ولا سيما مع تقادم السماع وعدم ضبطه بالكتابة والاتكال على الحفظ والضابط منهم من ضبط المعنى (2) وأما ضبط اللفظ فبعيد جدا لا سيما في الاحاديث الطوال ، وقد قال سفيان الثوري : إن قلت لكم إنى أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني إنما هو المعنى . ومن نظر في الحديث أدنى نظر علم العلم اليقين أنهم يروون بالمعنى . الثاني : أنه وقع اللحن كثيرا فيما روى من الحديث ، لان كثيرا من الرواة كانوا غير عرب بالطبع ولا يعلمون لسان العرب بصناعة النحو فوقع اللحن في كلامهم وهم لا يعلمون ذلك ، وقد وقع في كلامهم وروايتهم غير الفصيح من لسان العرب - ونعلم قطعا من غير شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أفصح الناس فلم يكن يتكلم إلا بأفصح اللغات وأحسن التراكيب وأشهرها وأجزلها . . والمصنف " أي ابن مالك " قد أكثر من الاستدلال بما ورد في الاثر متعقبا بزعمه على النحويين - وما أمعن النظر في ذلك ولا صحب من له التمييز - وقد قال لنا قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة - وكان ممن أخذ عن ابن مالك قلت له يا سيدى : هذا الحديث رواية الاعاجم ووقع فيه من روايتهم ما يعلم أنه ليس من لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم ! فلم يجب بشئ : قال أبو حيان : وإنما أمعنت الكلام في هذه المسألة لئلا يقول المبتدئ ، ما بال النحويين ، يستدلون بقول العرب وفيهم المسلم والكافر ولا يستدلون بما روى في الحديث بنقل العدول كالبخاري ومسلم وأضرابهما فمن طالع ما ذكرناه أدرك السبب الذى لاجله لم يستدل النحاة بالحديث ه .

---

(1) راجع ألفاظ هذا الحديث بصحفة 91 . (2) وبعيد جدا أن يضبط المعنى كله . (*)

--- [ 375 ]

Page 374