564

منكم ) أي : ولما تجاهدوا ، لأن العلم يتعلق بالمعلوم كما مر ، فنزل نفي العلم منزلة نفي متعلقة ، لأنه ينتفي بانتفائه ، تقول : ما علم الله في فلان خيرا ، تريد : ما فيه خير حتى يعلمه. و «لما» بمعنى «لم» إلا أن فيها ضربا من التوقع ، فدل على نفي الجهاد فيما مضى ، وعلى توقعه فيما يستقبل. ( ويعلم الصابرين ) نصب بإضمار «أن» على أن الواو للجمع ، كقولك : لا تأكل السمك وتشرب اللبن. والمعنى : أظننتم أنكم تدخلون الجنة ولما يقع العلم بوجود المجاهدين منكم والعلم بصبر الصابرين؟!

( ولقد كنتم تمنون الموت ) أي : الحرب ، فإنها من أسباب الموت ، أو الموت بالشهادة ( من قبل أن تلقوه ) قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدته وصعوبة مقاساته. والخطاب للذين لم يشهدوا بدرا ، وتمنوا أن يشهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم مشهدا لينالوا ما نال شهداء بدر من الكرامة ، فألحوا يوم أحد على الخروج.

( فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ) أي : فقد رأيتم الموت معاينين له ، حين قتل دونكم من قتل من إخوانكم ، وشارفتم أنتم أن تقتلوا. فهذا تأكيد للرؤية ، كما يقال : رأيته عيانا ، ورأيته بعيني وسمعته بأذني ، لئلا يتوهم رؤية القلب وسمع العلم. ويجوز تمني الشهادة ، لأن المراد منه نيل كرامة الشهداء لا غير ، كما أن من شرب دواء الطبيب النصراني قاصدا إلى حصول المأمول من الشفاء ، لا يخطر بباله أن فيه جر منفعة وإحسان إلى عدو الله. فلا يقال : كيف يجوز تمني الشهادة ، وفي تمنيها تمني غلبة الكافر على المسلم؟!

وقيل : معناه : تمني توفيق الصبر على الجهاد إلى أن يقتلوا. وهو توبيخ لهم على أنهم تمنوا الحرب ، وتسببوا خروج رسول الله بإلحاحهم ، ثم جبنوا وانهزموا عنها.

روي أنه لما رمى عبد الله بن قمئة الحارثي رسول الله بحجر فكسر رباعيته

Bogga 569