.. واحتج حماد بن سلمة بأن الله تعالى أخبر عن موسى ﵇ وعدوه فرعون بألفاظ مختلفة فى معنى واحد، كقوله تعالى: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ (١) وقوله تعالى ﴿بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ﴾ (٢)، وكذلك قصص سائر الأنبياء ﵈ فى القرآن، وقولهم لقومهم بألسنتهم المختلفة، وإنما نقل إلينا ذلك بالمعنى (٣)، لأن من ذلك ما يطول فيبلغ الحد المعجز، ومنه ما يكون عن لسان أعجمى، ومنه ما يأتى فى موضع بألفاظ، وفى آخر بغيرها ... ويطول فى موضع، ويختصر فى آخر" (٤) . وهذا يشهد لجواز التعبير عن المعنى الواحد بألفاظ متعددة.
... ومن أقوى الحج كما قاله الحافظ ابن حجر ما حكاه الخطيب البغدادى من: "اتفاق الأمة من جواز شرح الشريعة للعجم بلسانهم للعارف به، فإذا جاز الإبدال بلغة أخرى، فجوازه باللغة العربية أولى" (٥) . وهذا هو أحد وجوه أدلة العقل التى استشهد بها الآمدى فى الإحكام (٦) .
... فإن قيل: إن هذه الأدلة السابقة معارضة لقول النبى ﷺ: "نضر الله أمرًا سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" (٧) ومعارض لقوله ﷺ للبراء بن عازب ﵁ لما استذكر دعاء النوم قائلًا: (آمنت برسولك الذى أرسلت، فقال له النبى ﷺ، قل: آمنت بنبيك الذى أرسلت" (٨) .
(١) جزء من الآية ٧ من سورة النمل.
(٢) جزء من الآية ١٠ من سورة طه.
(٣) فتح المغيث للسخاوى ٢/٢١٤.
(٤) الأنوار الكاشفة ص ٧٨، ونفس المعنى قاله الدكتور أبو زهو فى الحديث والمحدثون ص ٢٠٩، وانظر: توثيق السنة فى القرن الثانى الهجرى للدكتور رفعت فوزى ص ٤٢٥.
(٥) فتح المغيث للسخاوى ٢/٢١٤، وانظر: الكفاية ص ٣٠٣-٣٠٥، وتدريب الراوى ٢/١٠١.
(٦) الإحكام فى أصول الأحكام للآمدى ٢/٩٤.
(٧) سبق تخريجه ص ٣٤.
(٨) سبق تخريجه ص ٣٦١.