ثالثًا: بعث عبد الله بن أنيس
في الخامس من شهر المحرم من العام الرابع للهجرة جاءت الأخبار إلى رسول الله ﷺ أن خالد بن سفيان الهذلي يحشد الجموع لحرب رسول الله ﷺ، ويحرض على مهاجمة المدينة وقد نزل بـ"عوانة" فأرسل رسول الله ﷺ عبد الله بن أنيس ﵁ إليه ليقضي عليه وينهي الفتنة التي يعمل لإشعالها.
قال عبد الله بن أنيس: يا رسول الله! انعته لي حتى أعرفه.
قال ﷺ: "إذا رأيته هبته، وفرقت منه، وذكرت الشيطان، وآية ما بينك وبينه أن تجد له قشعريرة إذا رأيته". وأذن له أن يقول ما بدا له.
وكان أنيس لا يهاب الرجال، فأخذ سيفه وخرج، حتى إذا كان ببطن عرنة لقي سفيان يمشي، وراءه الأحابيش فهابه، وعرفه بالنعت الذي نعت له رسول الله ﷺ، وقد دخل وقت العصر فصلى وهو يمشي يومئ إيماء برأسه، فلما دنا منه قال: من الرجل؟
قال: رجل من خزاعة، سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك عجبًا لما أحدث محمد من هذا الدين المحدث، فارق الآباء وسفه أحلامهم.
فصحبه سفيان معه وأكرم قراه، فلما تفرق عنه أصحابه، قال: هلم يا أخا خزاعة فدنا منه وجلس عنده حتى نام الناس فقتله، وأخذ رأسه واختفى في غار، والخيل تطلبه في كل وجه، ثم سار الليل، وتوارى في النهار إلى أن قدم المدينة١ الذي ظل غائبًا عنها ثماني عشرة ليلة بدءًا من السبت لسبع بقين من المحرم، وقد قتل خالدًا، وجاء برأسه فوضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم٢، فأعطاه ﷺ عصاه، وقال له ﷺ: "هذه آية بيني وبينك يوم القيامة". فلما حضرت ابن أنيس الوفاة أوصى أن تجعل معه في أكفانه وكانت غيبته ﵁ عن المدينة ثمانية عشر يومًا٣.
١ إمتاع الأسماع ج١ ص٢٥٣.
٢ إمتاع الأسماع ج١ ص٢٥٤.
٣ زاد المعاد في هدي خير العباد ج٣ ص٢٤٤.