مرة أخرى في اللون: أولًا حيث قال تعالى: ﴿إنها بقرة صفراء﴾، فخرج بهذا ما عدا الصفرة من الألوان. وهذا نوع تضييق؛ ثانيًا بكونها: ﴿فاقع لونها﴾؛ و"الفاقع" يعني الصافي؛ والمعنى: أنه ليس فيه ما يشوبه، ويخرجه عن الصفرة؛ وقيل: معنى ﴿فاقع لونها﴾ أي شديد الصفرة، وهو كلما كان صافيًا كان أبين في كونه أصفر؛ ثالثًا بكونها: ﴿تسر الناظرين﴾ يعني ليست صفرتها صفرة توجب الغم؛ أو صفرتها مستكرهة؛ بل هي صفرة تجلب السرور لمن نظر إليها؛ فصار التضييق من ثلاثة أوجه: صفراء؛ والثاني: فاقع لونها؛ والثالث: تسر الناظرين ..
. ﴿٧٠﴾ قوله تعالى: ﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي﴾: هذا أيضًا طلب ثالث؛ يقولون: ﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما هي﴾ أي من حيث العمل؛ ﴿إن البقر تشابه علينا﴾ أي اشتبه علينا البقرة المطلوبة؛ وفي الحقيقة أنه ليس في هذا اشتباه؛ إذ ذُكر لهم أنها بقرة، وذكر لهم سنها؛ وذكر لهم لونها؛ فأين التشابه؟! لكن هذا من عنادهم، وتعنتهم، وتباطئهم في تنفيذ أمر الله ..
قولهم: ﴿وإنا إن شاء الله لمهتدون﴾: أكدوا الهداية هنا بمؤكدين؛ وهما: "إن"، واللام؛ ومؤكد ثالث؛ وهو الجملة الاسمية؛ وهي أبلغ من الجملة الفعلية، وأخذوا على أنفسهم أنهم سيهتدون؛ ولكنهم علقوا ذلك بمشيئة الله، قال بعض السلف: "لو لم يقولوا: ﴿إن شاء الله﴾ لم يهتدوا إليها أبدًا". وهذا فيما إذا كان قصدهم تفويض الأمر إلى الله ﷿؛ ويحتمل أن يكون قصدهم أنهم لو لم يهتدوا لاحتجوا بالمشيئة، وقالوا: "إن الله لم يشأ أن نهتدي"! وما هذا الاحتمال ببعيد عليهم ..