Sharh Nahj Balagha
شرح نهج البلاغة
Tifaftire
محمد عبد الكريم النمري
Daabacaha
دار الكتب العلمية
Daabacaad
الأولى
Sanadka Daabacaadda
1418 AH
Goobta Daabacaadda
بيروت
وارتحل قطري ، وبلغ ذلك المهلب ، فقال لهزيم بن أبي طحمة المجاشعي : إني لا آمن أن يكون كاذبا بترك موضعه ، اذهب فتعرف الخبر ، فمضى الهزيم في اثني عشر فارسا ، فلم ير في المعسكر إلا عبدا وعلجا مريضين ، فسألهما عن قطري وأصحابه ، فقالا : مضوا يرتادون غير هذا المنزل ، فرجع هزيم إلى المهلب ، فأخبره ، فارتحل حتى نزل خندق قطري ، فجعل يقاتل عبد ربه أحيانا بالغداة ، وأحيانا بالعشي ، فقال رجل من سدوس يقال له المعتق ، وكان فارسا :
ليت الحرائر بالعراق شهدننا . . . ورأيننا بالسفح ذي الأجبال
فنكحن أهل الجد من فرساننا . . . والضاربين جماجم الأبطال
ووجه المهلب يزيد ابنه إلى الحجاج يخبره بأنه قد نزل منزل قطري ، وأنه مقيم على عبد ربه ، ويسأله أن يوجه في أثر قطري رجلا جلدا . فسر بذلك الحجاج سرورا أظهره . ثم كتب إلى المهلب يستحثه لمناجزة القوم مع عبيد بن موهب : أما بعد ؛ فإنك تتراخى عن الحرب حتى تأتيك رسلي فيرجعون بعذرك ، وذلك أنك تمسك حتى تبرأ الجراح ، وتنسى القتلى ، وتحمل الكال ثم تلقاهم ، فتحمل منهم ثقل ما يحتملون منك من وحشة القتل ، وألم الجراح ، ولو كنت تلقاهم بذلك الجد لكان الداء قد حسم ، والقرن قد قصم ، ولعمري ما أنت والقوم سواء ، لأن من ورائك رجالا ، وأمامك أموالا ، وليس للقوم إلا ما نعهد ، ولا يدرك الوجيف بالدبيب ، ولا الظفر بالتعذير .
فلما ورد عليه الكتاب ، قال لأصحابه : يا قوم إن الله قد أراحكم من أمور أربعة : قطري بن الفجاءة ، وصالح بن مخراق ، وعبيدة بن هلال ، وسعد بن الطلائع ، وإنما بين أيديكم عبد ربه الصغير في خشار من خشار الشيطان ، تقتلونهم إن شاء الله تعالى .
فكانوا يتغادون القتال ويتراوحون ، فتصيبهم الجراح ، ثم يتحاجزون ؛ فكأنما انصرفوا عن مجلس كانوا يتحدثون فيه ؛ يضحك بعضهم إلى بعض ، فقال عبيد بن موهب للمهلب : قد بان عذرك ، فاكتب فإني مخبر الأمير .
فكتب إلى الحجاج : أما بعد ؛ فإني لم أعط رسلك على قول الحق أجرا ، ولم أحتج منهم عن المشاهدة إلى تلقين . ذكرت أني أجم القوم ؛ ولا بد من وقت راحة يستريح فيه الغالب ، ويحتال فيه المغلوب . وذكرت أن في الجمام ما ينسي القتلى ، وتبرأ منه الجراح ، وهيهات أن ينسى ما بيننا وبينهم ! تأبى ذلك قتلى لم تجن ، وقروح لم تتقرف ، ونحن والقوم على حالة ، وهم يرقبون منا حالات ، إن طمعوا حاربوا ، وإن ملوا وقفوا ، وإن يئسوا انصرفوا . وعلينا أن نقاتلهم إذا قاتلوا ، ونتحرز إذا وقفوا ، ونطلب إذا هربوا ، فإن تركتني والرأي ، كان القرن مقصوما ، والداء بإذن الله محسوما ، وإن أعجلتني لم أبعك ولم أعصك ، وجعلت وجهي إلى بابك ، وأعوذ بالله من سخط الله ومقت الناس .
Bogga 120