171

Sharh Kitab al-Jami' li-Ahkam al-'Umrah wal-Hajj wal-Ziyarah

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة

بيان كيفية إهلال النبي ﷺ وتلبيته
قال جابر ﵁: (فأصبح ﷺ بذي الحليفة فركب راحلته حتى استوى على البيداء أهل هو وأصحابه، وقلد بدنته، وذلك لخمس بقين من ذي القعدة) وفي بعض الروايات: (وقلد البدن).
يعني: أن خروج النبي ﷺ كان في شهر ذي القعدة قبل أن ينتهي بخمسة أيام أو خمس ليال.
وساق النبي ﷺ معه بدنًا من المدينة، ووصى عليًا أن يشتري له من اليمن بدنًا، فكان مجموع ما ساقه وما قدم به علي ﵁ مائة، كلها أهداها النبي ﷺ إلى البيت.
وقوله: (قلد بدنته) التقليد هو: وضع قلادة من ليف في عنقها، فالحبل الذي يوضع في عنق الدابة يقال له: قلادة، وأصل القلادة: ما تضعه المرأة من شيء في رقبتها.
وجاء في رواية: (أنه علق فيها نعليه)، يعني: أن ناقة النبي ﷺ التي قلدها وضع في عنقها حبلًا من ليف، وفي هذا الحبل علق نعليه، وكأنه إشارة إلى الحث على التوجه إلى بيت الله ﷾ والمشي والطاعة في ذلك.
قال: (وذلك لخمس بقين من ذي القعدة، فقدم مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة)، يعني: أنه بقي في الرحلة تسعة أيام؛ فخرج من المدينة وبقي خمسة أيام انتهى شهر ذي القعدة، ووصل مكة ﷺ في الرابع من ذي الحجة، فأخذ منه المسير تسعة أيام.
هنا يقول جابر: (إن أسماء بنت عميس ولدت محمد بن أبي بكر فأرسلت إلى رسول الله ﷺ: كيف أصنع؟).
يعني: ماذا أعمل وأنا نفساء؟ فقال النبي ﷺ: (اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي).
يعني: أن السنة في المرأة النفساء التي تلد، ومثلها الحائض كذلك أنها تغتسل، فإذا كانت هذه في غسلها لن يفيدها إلا التنظف فقط، فإن من يفيده الغسل العبادة من باب أولى، كالذي عليه جنابة، فإن الغسل يرفع هذه الجنابة، وهذا أولى، وكذلك المرأة التي انتهى حيضها فيلزمها التطهر، فهذه أولى أن تغتسل لذلك، فالغسل هنا غسل تنظف، تتنظف المرأة ويتنظف الرجل ويستعد لأعمال المناسك.
وقوله: (استثفري) بمعنى: تلجمي، يعني: ضعي على مكان نزول الدم شيئًا من الثياب واربطيه جيدًا؛ حتى لا ينزل منك الدم.
قال: (وأحرمي، فصلى رسول الله ﷺ في المسجد، ثم ركب القصواء) وهي ناقة النبي ﷺ، ولها أسماء، وهذا من أسمائها.
في رواية النسائي لهذا الحديث: (فلما أتى ذا الحليفة صلى وهو صائم حتى أتى البيداء).
يعني: ما زال لم يلب ﵊؛ لأنه جاء وقت الصلاة فصلى ﷺ الصلاة ولم يكن قد أهل إلى أن أتى البيداء فبدأ بالتلبية بعدما ركب ناقته.
وهنا ذكر القصواء، وفي رواية ذكر: (الجدعاء)، في رواية ذكر: (العضباء)، وفي رواية: (على ناقة خرماء)، والظاهر أنها هي هي، فهي ناقة واحدة، وكأن هذه أوصاف أو أسماء لهذه الناقة التي ركبها النبي ﷺ.
قال: (ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش).
يعني: استوت ناقة النبي ﷺ به وكانت الطريق والصحراء أمامه مليئة بالناس من بين اليدين ومن اليمين والشمال.
قال: (نظرت إلى مد بصري من بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به).
يعني: أن الجميع كانوا ينظرون إلى فعله ﷺ، وكان القرآن ينزل عليه وهو يعمل صلوات الله وسلامه عليه وهم يقتدون.
قال: (فأهل بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)، هذا إهلاله ﷺ، وأهل بمعنى: رفع الصوت، فرفع صوته ﷺ بهذه التلبية، وأهل الناس بهذه التلبية، فالنبي ﷺ أهل بذلك، والناس اقتدوا به ﷺ، وزادوا عليه أشياء لم ينكرها ﵊؛ فجاء في رواية: (أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يهل بإهلال رسول الله ﷺ بهؤلاء الكلمات ويقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، لبيك والرغباء إليك والعمل)، فزاد هذه الكلمة: (والرغباء) يعني: السؤال، والطلب، أي: نطلب منك ونسألك ونرغب فيما عندك، وقوله: (والعمل) يعني: نخلص العمل ونوجهه إليك.
وجاء أيضًا فيه رواية أخرى عن عبد الله بن عمر: (أن تلبية رسول الله ﷺ: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وكان عبد الله بن عمر يزيد في تلبيته: لبيك لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، والرغباء إليك والعمل)، ففيها زيادة كانوا يقولونها، ومنهم عمر ومنهم عبد الله بن عمر، وأما النبي ﷺ فالتزم تلبيته.
وفي رواية لـ جابر عند أبي داود قال: (وذكر التلبية والناس يزيدون: ذا المعارج، ونحوه من الكلام، والنبي ﷺ يسمع فلا يقول لهم شيئًا)، (والمعارج) جمع معراج وهو: الذي تعرج فيه الملائكة إلى السماء، فقوله: (ذا المعارج) يعني: يا صاحب السماوات! يا صاحب المعارج التي تعرج الملائكة فيها إلى السماء! فالله سبحانه يملك كل شيء، فكانوا يقولون ذلك والنبي ﷺ لا ينكر عليهم هذا الذي يقولونه.
وجاء عن عمر أيضًا أنه كان يزيد: (لبيك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك مرهوبًا منك ومرغوبًا إليك).
وعن ابن عمر ﵄: (لبيك وسعديك، والخير بيديك والرغباء إليك والعمل).
وعن أنس ﵁: (لبيك حقًا؛ تعبدًا ورقًا، لبيك حقًا؛ تعبدًا ورقًا).
فهذه بعض الزيادات التي كانوا يقولونها، والنبي ﷺ لم يزد على تلبيته التي قال.
قال جابر: (فلم يرد رسول الله ﷺ عليهم شيئًا منه، ولزم رسول الله ﷺ تلبيته).
قال جابر ﵁: (لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة).
فـ جابرًا ذكر أن كل الذي نلبي به هو الحج، ولكن ذكرنا قبل ذلك عن عائشة أنها ذكرت: أن الصحابة منهم من لبى بالحج ومنهم من لبى بالعمرة ومنهم من جمع بين الاثنين، فهنا الذي علم حجة على من لم يعلم، والعدد كان ضخمًا جدًا مع النبي ﷺ، فـ جابر سمع من حوله وهم لا يعرفون إلا الحج فقط، وعائشة سمعت غيره ممن لبوا بعمرة، وممن لبوا بحج وعمرة، وممن لبوا بحج فقط.
إذًا: هنا كونه يقول: (لسنا نعرف العمرة) يعني: في هذه الحجة، هذا في ظن جابر ﵁.

10 / 5