170

Sharh Kitab al-Jami' li-Ahkam al-'Umrah wal-Hajj wal-Ziyarah

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة

تهيؤ النبي ﷺ وأصحابه لحجة الوداع
قال محمد بن علي بن الحسين: (فصلى بنا، فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله ﷺ، فقال بيده، فعقد تسعًا -يعني: عقد بيده العدد تسعة- قال: فقال: إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة: أن رسول الله ﷺ حاج، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ.
أي: أن هذه هي السنة الوحيدة التي حجها، وهي الحجة التي سميت بحجة الوداع؛ لكون النبي ﷺ كان يأمرهم ويحثهم أن يأخذوا المناسك منه ﷺ، كما جاء في صحيح مسلم وغيره عن جابر قال: (رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا عني مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه).
فقوله: (لعلي لا أحج بعد حجتي هذه) فيه إشارة إلى توديعه ﷺ، وإعلامهم بقرب وفاته صلوات الله وسلامه عليه، فكان يحثهم على أن يأخذوا المناسك منه ﵊، وينتهزوا الفرصة أنه معهم فيعلمهم صلوات الله وسلامه عليه.
فمكث النبي ﷺ بالمدينة تسع سنين لم يحج، قال: (ثم أذن في الناس -أي: أعلم الناس- وجعل مناديًا ينادي على الناس بذلك: أن رسول الله ﷺ حاج -يعني: في العام العاشر- فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ.
يعني: أنهم لم ينتظروا حتى يخرج ويقابلوه في الطريق، وإنما قدموا من أجل أنه من أول ما يخرج يأتسون ويقتدون به صلوات الله وسلامه عليه.
قال: (كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ: كيف أصنع؟ فقال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي).
يعني: أنه خرج حتى وصل ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس، وكانت في ذلك الحين زوجة لـ أبي بكر الصديق رضي الله ﵎ عنه.
في رواية لـ ابن عباس لهذا الحديث قال: (انطلق النبي ﷺ من المدينة بعدما ترجل وادهن ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه فلم ينه عن شيء من الأردية والأزر تلبس إلا المزعفرة التي تردع على الجلد).
يعني: أنه لم ينه عن أي نوع من أنواع الثياب يلبسها الإنسان من قطن أو من صوف أو من غيرها؛ فيلبس الإنسان ما شاء إلا ما كان حرامًا من حرير؛ فقد نهى عنه ﷺ، وإلا ما كان مزعفرًا فإذا وضع وعرق الإنسان فإنه يلطخ ثيابه باللون الأصفر، وأيضًا هو من الطيب.

10 / 4