752

Sharh Al-Arba'in Al-Nawawiyah

شرح الأربعين النووية

أثر غنى القلب والنفس في المواقف
من المعلوم أن الإنسان إذا كان غني القلب والنفس فإن دنياه بيده لا في قلبه، سواء أكانت قليلةً أم كثيرة.
أما إذا كانت نفسه ليست غنية فإن المال الكثير بيده لا يقنعه ولا يرضى به، ويسعى للمزيد منه، ويكون مشغولًا ومهمومًا ومنشغلًا بالدنيا عن الآخرة.
وأما إذا لم تشغله الدنيا عن الآخرة، وكانت الدنيا وتحصيلها من أسباب سعادته نفعه؛ فإن ذلك يكون محمودًا، فقد جاء في الحديث أن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا للنبي ﷺ: (يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم).
فالأموال إذا حصلت لهم دون أن ينشغلوا بها عن الله ﷿ بل كانت تحصل وتصرف بطرق مشروعة فإن ذلك يكون محمودًا مفيدًا، المهم أن لا يشغله ذلك عن الله ﷾.
فإذا كانت الأموال تصرف في طاعة الله وفيما يعود على صاحبها وعلى المسلمين بالخير فهذا أمر محمود، ولهذا كان من أصحاب رسول الله ﷺ من عندهم المال والدنيا ولكنها ما شغلتهم عن الآخرة، بل كانوا منشغلين بالآخرة ويصرفون دنياهم وما أعطاهم الله من الدنيا فيما يعود عليهم بالخير.
ويدل على ذلك قصة عثمان بن عفان ﵁ وبذله في سبيل الله، وإنفاقه للأموال في سبيل الله، ففي غزوة تبوك -وسميت العسرة- كان الناس في شدة ومشقة، وكان الفقراء يأتون إلى رسول الله ﷺ ويطلبون منه أن يحملهم فيقول: (لا أجد ما أحملكم عليه) فيرجعون وهم يبكون حزنًا على ما فاتهم من الجهاد مع رسول الله ﷺ، مع أنهم معذورون، ولهذا جاء عن النبي ﷺ أنه في طريق تبوك قال: (إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، حبسهم العذر) فهم مع المجاهدين بقلوبهم وإن كانت أجسادهم باقية في المدينة، فلقد تعلقوا بالجهاد وليس عندهم القدرة التي تمكنهم من ذلك.
فـ عثمان ﵁ قدم يومها ثلاثمائة بعير عليها أحلاسها وأقتابها ومتاعها في سبيل الله ﷿، فهذا المال الكثير ما شغله عن الآخرة، بل صرفه فيما يتعلق بأمور الآخرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
فالغنى هو غنى النفس، فإذا كانت النفس غنية فأي شيء يكون في اليد فهو كثير، وإذا كانت النفس فقيرة فالكثير في اليد لا يعتبر شيئًا ولا يقنع به صاحبه، وقد قال الرسول ﷺ: (لو كان لابن آدم واد من ذهب لتمنى ثانيًا، ولو كان له واديان لتمنى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب)

28 / 9