وأطيب الناس ريحًا، كأن ثيابه لَم يمسها [٩٥ / أ] دنس" (١).
ولمسلم من طريق كَهْمَس في حديث عمر: "بينما نَحنُ عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر" (٢).
وفِي رواية ابن حبان: "سواد اللحية، لا يُرى عليه أَثرُ السفرِ، ولا يعرفه منا أحد، حَتَّى جلس إلَى النبي ﷺ فأسند ركبته إلَى ركبته، ووضع كفيه عَلى فخذيه" (٣).
ولسليمان التيمي: "ليس عليه سحناء سفر، وليس من البلد، فتخطى حَتَّى برك بين يدي النبي ﷺ كما يجلس أحدنا في الصلاة، ثم وضع يده عَلى ركبتي النبي ﷺ" (٤).
وكذا في حديث ابن عباس، وأبي عامر الأشعري: "ثم وضع يده عَلى ركبتي النبي ﷺ" (٥).
فأفادت هذه الرواية أن الضمير في قوله: "عَلى فخذيه" يعود عَلى النبي ﷺ، وبه جزم البغوي، ووافقه التوربشتي؛ لأنه حمله عَلى أنه جلس هيئة المتعلم بين يدي من يتعلم منه، فهذا وإن كانَ ظاهرًا من السياق لكن وضعه يديه عَلى فخذي النبي ﷺ صنيع منبه للإصغاء إليه.
وفيه إشارة لما ينبغي للمسئول من التواضع، والصفح عما يبدو من جفاء السائل، والظاهر أنه أراد بذلك المبالغة في تعمية أمره؛ ليقوي الظن بأنه من جفاة الأعراب؛ لأن الصحابة استغربوا هيئَتَه.
فإن قيل: كيف عرف عمر أنه لَم يعرفه أحد منهم؟
(١) أخرجه أبو داود في "سننه" (كتاب السنة، باب: في القدر) برقم (٤٦٩٨)، والنسائي في "السنن الكبرى" (كتاب الإيمان وشرائعه، باب: صفة الإيمان والإسلام) (٦/ ٥٢٨)، وفي "المجتبى" في نفس الكتاب والباب (٨/ ١٠١، ١٠٢).
(٢) "صحيح مُسْلِم" (كتاب الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان. . .) برقم (٨).
(٣) "صحيح ابن حبان" (كتاب الإيمان، باب: فرض الإيمان) برقم (١٦٨).
(٤) أخرجها ابن خزيمة في "صحيحه" (كتاب الوضوء، باب: ذكر الخبر الثابت عن النبي ﷺ بأن إتمام الوضوء من الإسلام) برقم (١).
(٥) أخرجهما الإمام أحْمَد في "مسنده"، فأما حديث ابن عباس فهو في (١/ ٣١٨، ٣١٩)، وأما حديث أبي عامر الأشعري ففي (٤/ ١٢٩، ١٦٤).