289

Mukhtasar Tafsir Al-Baghawi, also known as Ma'alim at-Tanzil

مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل

Daabacaha

دار السلام للنشر والتوزيع

Daabacaad

الأولى

Sanadka Daabacaadda

١٤١٦هـ

Goobta Daabacaadda

الرياض

، لآدم.
[قوله تعالى قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ] أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ. . . . .
[١٢] ﴿قَالَ﴾ [الأعراف: ١٢] اللَّهُ تَعَالَى: يَا إِبْلِيسُ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] أَيْ: وَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ ولا زَائِدَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] ﴿قَالَ﴾ [الأعراف: ١٢] إِبْلِيسُ مُجِيبًا ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢] لِأَنَّكَ ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] وَالنَّارُ خَيْرٌ وَأَنْوَرُ مِنَ الطِّينِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوَّلُ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسُ فَأَخْطَأَ الْقِيَاسَ فَمَنْ قَاسَ الدِّينَ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِهِ قَرَنَهُ اللَّهُ مَعَ إِبْلِيسَ. قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: مَا عُبِدَتِ الشَّمْسُ إِلَّا بِالْقِيَاسِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: ظَنَّ الْخَبِيثُ أَنَّ النَّارَ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْفَضْلَ لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْفَضْلَ، وَقَدْ فَضَّلَ اللَّهُ الطين على النار. وقالت الحكماء: للطين فضل عَلَى النَّارِ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا أَنَّ مِنْ جَوْهَرِ الطِّينِ الرَّزَانَةُ والوقار والحلم الصبر وَهُوَ الدَّاعِي لِآدَمَ بَعْدَ السَّعَادَةِ التي سبق لَهُ إِلَى التَّوْبَةِ وَالتَّوَاضُعِ وَالتَّضَرُّعِ فَأَوْرَثَهُ الِاجْتِبَاءَ وَالتَّوْبَةَ وَالْهِدَايَةَ، وَمِنْ جَوْهَرِ النَّارِ الْخِفَّةُ وَالطَّيْشُ وَالْحِدَّةُ وَالِارْتِفَاعُ وَهُوَ الدَّاعِي لِإِبْلِيسَ بَعْدَ الشَّقَاوَةِ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ إِلَى الِاسْتِكْبَارِ وَالْإِصْرَارِ، فَأَوْرَثَهُ اللَّعْنَةَ وَالشَّقَاوَةَ، وَلِأَنَّ الطِّينَ سَبَبُ جَمْعِ الْأَشْيَاءِ وَالنَّارَ سَبَبُ تَفَرُّقِهَا وَلِأَنَّ التُّرَابَ سَبَبُ الْحَيَاةِ، فَإِنَّ حَيَاةَ الْأَشْجَارِ وَالنَّبَاتِ بِهِ، وَالنَّارُ سَبَبُ الْهَلَاكِ.
[١٣] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٣] أَيْ: مِنَ الْجَنَّةِ، وَقِيلَ: مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ وَكَانَ لَهُ مُلْكُ الْأَرْضِ فَأَخْرَجَهُ مِنْهَا إِلَى جَزَائِرِ الْبَحْرِ وَعَرْشُهُ فِي الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ، فَلَا يَدْخُلُ الْأَرْضَ إِلَّا خَائِفًا عَلَى هَيْئَةِ السَّارِقِ مِثْلَ شَيْخٍ عَلَيْهِ أَطْمَارٌ يَرُوعُ فِيهَا حتى يخرج منها. قال تَعَالَى: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ﴾ [الأعراف: ١٣] بمخالفة الأمر، ﴿فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣] أَيْ: فِي الْجَنَّةِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْكُنَ فِي الْجَنَّةِ وَلَا السَّمَاءِ مُتَكَبِّرٌ مُخَالِفٌ لِأَمْرِ اللَّهِ، ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] مِنَ الْأَذِلَّاءِ، وَالصَّغَارُ: الذُّلُّ وَالْمَهَانَةُ.
[١٤] ﴿قَالَ﴾ [الأعراف: ١٤] إبليس عند ذلك، ﴿أَنْظِرْنِي﴾ [الأعراف: ١٤] أخرجني وَأَمْهِلْنِي فَلَا تُمِتْنِي، ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤] مِنْ قُبُورِهِمْ وَهُوَ النَّفْخَةُ الْأَخِيرَةُ عِنْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ، أَرَادَ الْخَبِيثُ أَنْ لَا يَذُوقَ الْمَوْتَ.
[١٥] ﴿قَالَ﴾ [الأعراف: ١٥] اللَّهُ تَعَالَى، ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥] الْمُؤَخَّرِينَ، وَبَيَّنَ مُدَّةَ النَّظَرِ وَالْمُهْلَةِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَقَالَ: ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الْحِجْرِ: ٣٨] وَهُوَ النَّفْخَةُ الْأُولَى حِينَ يَمُوتُ الْخَلْقُ كلهم.
[١٦] ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: ١٦] اخْتَلَفُوا فِي مَا قِيلَ: هُوَ اسْتِفْهَامٌ يَعْنِي فَبِأَيِّ شَيْءٍ أَغْوَيْتَنِي؟ ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦] وَقِيلَ: مَا الْجَزَاءُ، أَيْ: لِأَجْلِ أنك أغويتني لأقعدن لهم. وقيل: هي مَا الْمَصْدَرِيَّةُ مَوْضِعُ الْقَسَمِ تَقْدِيرُهُ: فَبِإِغْوَائِكَ إِيَّايَ لَأَقْعَدْنَ لَهُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ [يَسٍ: ٢٧] يَعْنِي لِغُفْرَانِ رَبِّي، وَالْمَعْنَى بِقُدْرَتِكَ عَلَيَّ وَنَفَاذِ سُلْطَانِكَ

2 / 297