448

Minhaj al-Talibin wa-Bulugh al-Raghibin

منهج الطالبين وبلاغ الراغبين

واختلف الناس في الدعاء، فقال قوم: الواجب أن يدعو الإنسان، ويكون سؤاله مقيدا في العقل والضمير بشريطة حكم الله فيه، وما هو أعلم به من حق تدبيره، لئلا يقع دعاؤه موقع الاعتراض على ربه، والحكم عليه؛ لأن السيد هو المرتوب، ولا تحكم له على سيده فيما هو أملك به، وأعلم بوجه منه وقال قوم: يحسن إظهار ما يضمر من ذلك، ولا يحسن في أمور أخرى، وذلك: مثل قول القائل: أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وأغنني ما كان الغني خيرا لي. وهذا سائغ في الدعاء والمسألة، ولو أفراد الدعاء والمسألة بالحياة، والغني بغير إظهار شرط الخيرة كان جائزا؛ إذا كان عنده، وضميره على ما يدعو المسلمون.

وقال قوم: إن الدعاء والمسألة لا يحتاجان إلى ضمير يعتقد، ولا يشترط معهما، ولا إظهار ذلك أيضا، لأن موضع الدعاء هو على ذلك، ولا وجه لاشتراط الدعاء فيه بإظهار اللفظ، ولا يعتقده ضمير.

وعندي إنه يجب إذا دعا ربه، وسأله أن يمينه، أو يفقره، ونحو هذا، فلابد له من إظهار الاشتراط؛ أن يقول: ما كان الفقر خيرا لي في ديني، وما كان الموت أنفع لي من الحياة، ولا يرسل المسألة في هذا إرسالا، لأن من لم يشترط في هذا الموضع خرج دعاؤه مخرج السخط، والاستصغار لنعم الله، ولا ينبغي للعبد أن يسأل ربه إلا أن يكون بدعائه مطيعا لربه.

ولا يجوز له أن يسأل ربه ما لو فعله له لم يكن فعله خروجا عن الحكمة؛ كقول القائل؛ اللهم أحي لي ما أنت من أهلي قبل يوم القيامة، وأرجعهم إلى الدنيا، أو أجعل عمري ألف سنة، أو هب لي ملكا مثل ملك سليمان بن داود النبي (عليه السلام)؛ فإن فعل هذا، ودعا به كان جاهلا متحكما على الله، وخروجا عن حد مسألة المتهيب الخاضع إلى حد مسألة المتحكم الملزم، وليس من مسألة العبد لسيده في شيء، وإنما يجري مجري الأمر والإلزام، وإيجاب الفروض.

Bogga 452