فهذا الإيمان: هو تصديق عامة المسلمين، واعتقادهم يشتد، ويقوي تارة، ويضعف، ويسترخي أخرى، وهذا موجود في اعتقاد المؤمنين، والعمل يؤثر في نماء هذا الاعتقاد، وزياداته، كما يؤثر سقي الماء في نمو الأشجار علوا، وفي رسوخ فيما قيل، لما أقروا بالجملة التي دعاهم إليها رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) أوفوا بها عند مباشرة العمل، فزادهم الله إيمانا، وتصديقا، ويقينا، فدل هذا على أن الإيمان يزداد بعمل الطاعات، وينقص بانتهاك المحرمات.
وروي عن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) أنه قال: الإيمان يزيد وينقص وذلك بتأثير الطاعات في القلب، قال على بن أبي طالب: إن الإيمان يبدو لمعة بيضاء في القلب؛ فإذا عمل العبد بالطاعات الصالحات - نمت وزادت؛ حتى يبيض القلب كله، وإن النفاق يبدو نقطة سوداء؛ فإذا انتهك المحرمات؛ نمت وزادت؛ حتى يسود القلب كله، فيطيع عليه، وذلك الختم، وتلا " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ".
فإذا محقق العبد الإيمان، ورسا في قلبه - انتقل إلى درجة هي أعلي مما كان فيه، وهي: الظن الذي مدح الله به المؤمنين [في] قوله: " الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون "، " وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ".
وهذا الظن درجة في الإيمان أعلي من أوائله، وهذا الظن هو الذي بمعني اليقين، لا بمعني الشك فمن سكنت نفسه إلى وجود الباري - سبحانه وتعالي - ووقع في قلبه الإيمان به - زال عنه الجهل، والشك، لأن الشك: هو تردد، وتوقف بين آمين، لا مزيد لأحدهما على الآخر، والظن ترجيح أحد الجانبين، فمن رجح جانب ظنه إلى جانب العلم - فهو ظن محمود، لأنه جاوز حد الجهل، والشك إلى الإيمان.