وزعم بعض المبتدعة أنه لا صيغة للأمر (١) بناءً على أن الكلام معنى قائم بالنفس مجرد عن الألفاظ، فالأمر عند هؤلاء قسمان: نفسي ولفظي، فالأمر النفسي عندهم هو: اقتضاء الفعل بذلك المعنى القائم بالنفس المجرد عن الصيغة.
والأمر اللفظي هو: اللفظ الدال عليه كصيغة: افعل.
والحق أن إثبات كلام النفس الباطل مخالف للكتاب والسنة واللغة والعرف (٢) .
١- فمن الكتاب قوله تعالى لزكريا: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١٠، ١١]، فلم يسم الله إشارته إلى قومه كلامًا لأنه لم يتكلم بشيء من الألفاظ.
٢- ومن السنة قوله ﷺ: «إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم» (٣)، ففرق ﷺ بين حديث النفس وبين الكلام بالألفاظ والحروف، فأضاف الأول إلى النفس وأطلق الثاني لأنه هو المتبادر إلى الفهم وهو الأصل في الكلام، فلم يحتج إلى قيد أو إضافة.
٣- واتفق أهل اللغة على أن الكلام: اسم وفعل وحرف، ولذلك اتفق الفقهاء بأجمعهم على أن من حلف لا يتكلم فحدث نفسه بشيء دون أن ينطق بلسانه لم يحنث، ولو نطق حنث.
٤- وأهل العرف كلهم يسمون الناطق متكلمًا، ومن عداه ساكتًا أو أخرس.
(١) ذهب إلى ذلك الأشاعرة، وهذا القول لم يسبقهم إليه أحد. انظر: "قواطع الأدلة" (١/٨١) .
(٢) انظر: "روضة الناظر" (٢/٦٤، ٦٥)، و"شرح الكوكب المنير" (٢/٩ - ١١٥)، و"مذكرة الشنقيطي" (١٨٨، ١٨٩) .
(٣) رواه البخاري (١١/ ٥٤٨) برقم (٦٦٦٤)، واللفظ له، ومسلم (٢/١٤٦) .