371

Majmu'at al-Rasa'il al-Kubra li Ibn Taymiyyah

مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية

Daabacaha

دار إحياء التراث العربي

Goobta Daabacaadda

بيروت

ارتفعت الشبهة ورفع العدل المتوسط من الطائفتين، فمن قال إن المؤمن والكافر سواء فيما أنعم الله عليهما من الأسباب المقتضية للإيمان، وأن المؤمن لم يخصه الله بقدرة ولا إرادة آمن بها، وأن العبد إذا آمن لم تحدث له معرفة من الله وإرادة لم تكن قبل الفعل، فقوله معلوم الفساد، وقيل لهؤلاء: فعل العبد جملة الحوادث والممكنات، فكل ما به يعلم أن الله تعالى أحدث غيره يعلم به أن الله أحدثه، فيكون العبد فاعلا بعد أن لم يكن أمر ممكن حادث، فإن أنكر صدور هذا الممكن بدون محدث واجب يحدثه ويرجح وجوده على عدمه أمكن ذلك في غيره فانتقض دليل إثبات الصانع ولا ريب أن كثيراً من متكلمة الإثبات القائلين بالقدر، سلموا للمعتزلة أن القادر المختار يمكنه ترجيح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح، وقالوا في مسألة إحداث العالم أن القادر المختار أو الإرادة القديمة التي نسبتها إلى جميع الحوادث والأزمنة نسبة واحدة، رجحت أنواعاً من الممكنات في الوقت الذي رجحته بلا حدوث سبب اقتضى الرجحان، وادعوا أن القادر المختار يمكنه الترجيح بلا مرجح، أو الإرادة القديمة ترجح بلا مرجح آخر، فاعترض عليهم هناك من نازعهم من أهل الملل والفلاسفة القائلين بأن الله لم يحدث الحوادث بأفعال تقوم بنفسه، وأن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، والقائلين بقدم العالم قالوا: هذا الذي قلتموه معلوم الفساد بالضرورة، وتجويز هذا يقتضي جواز حدوث الحوادث بلا سبب والترجيح بلا مرجح، وذلك يسد باب إثبات الصانع.

ثم إن هؤلاء المثبتين للقدر احتجوا بهذه الحجة على نفاة القدر وقالوا: حدوث فعل العبد بعد أن لم يكن لابد له من محدث مرجح تام غير العبد،

371