367

Majmu'at al-Rasa'il al-Kubra li Ibn Taymiyyah

مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية

Daabacaha

دار إحياء التراث العربي

Goobta Daabacaadda

بيروت

خاضوا في الفقه ، ثبتوا الاستطاعة المتقدمة التي هي مناط الأمر والنهي، وعلى هذا تتفرع مسألة تكليف مالا يطاق، فإن الطاقة هي الاستطاعة وهي لفظ مجمل، فالاستطاعة الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي لم يكلف الله أحداً شيئاً بدونها، فلا يكلف مالا يطاق بهذا التفسير، وأما الطاقة التي لا تكون إلا مقارنة للفعل، فجميع الأمر والنهي تكليف مالا يطاق بهذا الاعتبار، فإن هذه ليست مشروطة في شيء من الأمر والنهي باتفاق المسلمين، وكذا تنازعهم في العبد: هل هو قادر على خلاف المعلوم. فإذا أريد بالقدرة القدرة الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي كالاستطاعة المذكورة في قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) فكل من أمره الله ونهاه فهو مستطيع بهذا الاعتبار وإن علم أنه لا يطيعه، وإن أريد بالقدرة القدرة القدرية التي لا تكون إلا مقارنة المفعول، فمن علم أنه لا يفعل الفعل لم تكن هذه القدرة ثابتة له.

ومن هذا الباب تنازع الناس في الأمر والإرادة، هل يأمر بما لا يريد أو لا يأمر إلا بما يريد، فإن الإرادة لفظ فيه إبهام يراد بالإرادة الإرادة الكونية الشاملة لجميع الحوادث كقول المسلمين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وكقوله تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء) وقول نوح عليه السلام: (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم) ولا ريب أن الله يأمر العباد بما لا يريده بهذا التفسير والمعنى كما قال تعالى: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) يدل على أنه لم يؤت كل نفس هداها مع أنه أمر كل نفس بهداها. وكما اتفق العلماء على أن من حلف بالله

367