357

Majmu'at al-Rasa'il al-Kubra li Ibn Taymiyyah

مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية

Daabacaha

دار إحياء التراث العربي

Goobta Daabacaadda

بيروت

شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) وقال تعالى: (إن هذه تذكرة فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة).

وهذا الموضع اضطرب فيه الخائضون في القدر فقالت المعتزلة ونحوهم من النفاة: الكفر والفسوق والعصيان أفعال قبيحة، والله منزه عن فعل القبيح باتفاق المسلمين، فلا يكون فعلا له، وقال من رد عليهم من المائلين إلى الجبر: بل هي فعله وليست أفعالا للعباد بل هي كسب العبد. وقالوا: أن قدرة العبد لا تأثير لها في حدوث مقدورها ولا في صفة من صفاتها، وأن الله أجرى العادة بخلق مقدورها مقارنا لها، فيكون الفعل خلقا من الله وإبداعا، وإحداثا وكسباً من العبد لوقوعه مقارنا لقدرته.

وقالوا: أن العبد ليس محدثا لأفعاله ولا موجداً لها، ومع هذا فقد يقولون أنا لا نقول بالجبر المحض بل نثبت للعبد قدرة حادثة، والجبر المحض الذي لا يثبت للعبد قدرة، وأخذوا يفرقون بين الكسب الذي أثبتوه وبين الخلق. فقالوا: الكسب عبارة عن اقتران المقدور بالقدرة الحادثة، والخلق هو المقدور بالقدرة القديمة. وقالوا أيضاً: الكسب هو الفعل القائم بمحل القدرة عليه، والخلق هو الفعل الخارج عن محل القدرة عليه، فقال لهم الناس: هذا لا يوجب فرقا بين كون العبد كسباً، وبين كونه فعلا وأوجد وأحدث وصنع وعمل ونحو ذلك، فإن فعله وإحداثه وعمله وصنعه هو أيضاً مقدور بالقدرة الحادثة وهو قائم في محل القدرة الحادثة، وأيضاً فهذا فرق لا حقيقة له، فإن كون المقدور في محل القدرة أو خارجاً عن محلها لا يعود إلى تأثير القدرة فيه، وهو مبني على أصلين: أن الله لا يقدر على فعل يقوم

357