Marjaca Salikiinta
مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين
Tifaftire
محمد المعتصم بالله البغدادي
Daabacaha
دار الكتاب العربي
Daabacaad
السابعة
Sanadka Daabacaadda
1423 AH
Goobta Daabacaadda
بيروت
التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ أَشَقُّ شَيْءٍ عَلَى النَّفْسِ. بَلْ هُوَ ذَبْحُهَا فِي الْحَقِيقَةِ. فَإِنَّهُ مُخَالَفَةُ هَوَاهَا وَطَبْعِهَا وَإِرَادَتِهَا. وَلَا تَصِيرُ مُطَمَئِنَّةً قَطُّ حَتَّى تَرْضَى بِالْقَضَاءِ. فَحِينَئِذٍ تَسْتَحِقُّ أَنْ يُقَالَ لَهَا: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧] .
الثَّلَاثُونَ: أَنَّ الرَّاضِيَ مُتَلَقٍّ أَوَامِرَ رَبِّهِ - الدِّينِيَّةَ وَالْقَدَرِيَّةَ - بِالِانْشِرَاحِ وَالتَّسْلِيمِ، وَطِيبِ النَّفْسِ، وَالِاسْتِسْلَامِ. وَالسَّاخِطُ يَتَلَقَّاهَا بِضِدِّ ذَلِكَ إِلَّا مَا وَافَقَ طَبْعَهُ. وَإِرَادَتَهُ مِنْهَا.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الرِّضَا بِذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُ وَلَا يُثَابُ عَلَيْهِ. فَإِنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِهِ لِكَوْنِ اللَّهِ قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ وَأَمَرَ بِهِ. وَإِنَّمَا رَضِيَ بِهِ لِمُوَافَقَتِهِ هَوَاهُ وَطَبْعَهُ. فَهُوَ إِنَّمَا رَضِيَ لِنَفْسِهِ وَعَنْ نَفْسِهِ. لَا بِرَبِّهِ، وَلَا عَنْ رَبِّهِ.
الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ الْمُخَالَفَاتِ كُلَّهَا أَصْلُهَا مِنْ عَدَمِ الرِّضَا. وَالطَّاعَاتِ كُلَّهَا أَصْلُهَا مِنَ الرِّضَا. وَهَذَا إِنَّمَا يَعْرِفُهُ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ مَنْ عَرَفَ صِفَاتِ نَفْسِهِ، وَمَا يَتَوَلَّدُ عَنْهَا مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي.
الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ عَدَمَ الرِّضَا يَفْتَحُ بَابَ الْبِدْعَةِ، وَالرِّضَا يُغْلِقُ عَنْهُ ذَلِكَ الْبَابَ. وَلَوْ تَأَمَّلْتَ بِدَعَ الرَّوَافِضِ، وَالنَّوَاصِبِ، وَالْخَوَارِجِ. لَرَأَيْتَهَا نَاشِئَةً مِنْ عَدَمِ الرِّضَا بِالْحُكْمِ الْكَوْنِيِّ، أَوِ الدِّينِيِّ، أَوْ كِلَيْهِمَا.
الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ الرِّضَا مَعْقِدُ نِظَامِ الدِّينِ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ. فَإِنَّ الْقَضَايَا لَا تَخْلُو مِنْ خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ:
فَتَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: دِينِيَّةٍ، وَكَوْنِيَّةٍ. وَهِيَ مَأْمُورَاتٌ، وَمَنْهِيَّاتٌ، وَمُبَاحَاتٌ، وَنِعَمٌ مُلَذَّةٌ، وَبَلَايَا مُؤْلِمَةٌ.
فَإِذَا اسْتَعْمَلَ الْعَبْدُ الرِّضَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَقَدْ أَخَذَ بِالْحَظِّ الْوَافِرِ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَفَازَ بِالْقِدْحِ الْمُعَلَّى.
الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ الرِّضَا يُخَلِّصُ الْعَبْدَ مِنْ مُخَاصَمَةِ الرَّبِّ تَعَالَى فِي أَحْكَامِهِ وَأَقْضِيَتِهِ. فَإِنَّ السُّخْطَ عَلَيْهِ مُخَاصَمَةٌ لَهُ فِيمَا لَمْ يَرْضَ بِهِ الْعَبْدُ. وَأَصْلُ مُخَاصَمَةِ إِبْلِيسَ لِرَبِّهِ: مِنْ عَدَمِ رِضَاهُ بِأَقْضِيَتِهِ وَأَحْكَامِهِ الدِّينِيَّةِ وَالْكَوْنِيَّةِ. فَلَوْ رَضِيَ لَمْ يُمْسَخْ مِنَ الْحَقِيقَةِ الْمَلَكِيَّةِ إِلَى الْحَقِيقَةِ الشَّيْطَانِيَّةِ الْإِبْلِيسِيَّةِ.
الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي الْكَوْنِ أَوْجَبَتْهُ مَشِيئَةُ اللَّهِ، وَحِكْمَتُهُ، وَمُلْكُهُ.
2 / 204