Marjaca Salikiinta
مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين
Tifaftire
محمد المعتصم بالله البغدادي
Daabacaha
دار الكتاب العربي
Daabacaad
السابعة
Sanadka Daabacaadda
1423 AH
Goobta Daabacaadda
بيروت
فَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ مِنْ أَسْبَابِ السَّعَادَةِ. وَالتَّسَخُّطُ عَلَى الْقَضَاءِ مِنْ أَسْبَابِ الشَّقَاوَةِ.
الْحَادِيَ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الرِّضَا يُوجِبُ لَهُ أَنْ لَا يَأْسَى عَلَى مَا فَاتَهُ، وَلَا يَفْرَحَ بِمَا آتَاهُ. وَذَلِكَ مِنْ أَفْضَلِ الْإِيمَانِ.
أَمَّا عَدَمُ أَسَاهُ عَلَى الْفَائِتِ: فَظَاهِرٌ. وَأَمَّا عَدَمُ فَرَحِهِ بِمَا آتَاهُ: فَلِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُصِيبَةَ فِيهِ مَكْتُوبَةٌ مِنْ قَبْلِ حُصُولِهِ. فَكَيْفَ يَفْرَحُ بِشَيْءٍ يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ فِيهِ مُصِيبَةً مُنْتَظَرَةً وَلَا بُدَّ؟
الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ مَنْ مَلَأَ قَلْبَهُ مِنَ الرِّضَا بِالْقَدَرِ: مَلَأَ اللَّهُ صَدْرَهُ غِنًى وَأَمْنًا وَقَنَاعَةً. وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِمَحَبَّتِهِ، وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ. وَمَنْ فَاتَهُ حَظُّهُ مِنَ الرِّضَا: امْتَلَأَ قَلْبُهُ بِضِدِّ ذَلِكَ. وَاشْتَغَلَ عَمَّا فِيهِ سَعَادَتُهُ وَفَلَاحُهُ.
فَالرِّضَا يُفَرِّغُ الْقَلْبَ لِلَّهِ، وَالسُّخْطُ يُفَرِّغُ الْقَلْبَ مِنَ اللَّهِ.
الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الرِّضَا يُثْمِرُ الشُّكْرَ، الَّذِي هُوَ مِنْ أَعْلَى مَقَامَاتِ الْإِيمَانِ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ. وَالسُّخْطُ يُثْمِرُ ضِدَّهُ. وَهُوَ كُفْرُ النِّعَمِ. وَرُبَّمَا أَثْمَرَ لَهُ كُفْرَ الْمُنْعِمِ. فَإِذَا رَضِيَ الْعَبْدُ عَنْ رَبِّهِ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ: أَوْجَبَ لَهُ ذَلِكَ شُكْرَهُ. فَيَكُونُ مِنَ الرَّاضِينَ الشَّاكِرِينَ. وَإِذَا فَاتَهُ الرِّضَا: كَانَ مِنَ السَّاخِطِينَ. وَسَلَكَ سَبِيلَ الْكَافِرِينَ.
الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الرِّضَا يَنْفِي عَنْهُ آفَاتِ الْحِرْصِ وَالْكَلَبِ عَلَى الدُّنْيَا، وَذَلِكَ رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ، وَأَصْلُ كُلِّ بَلِيَّةٍ. وَأَسَاسُ كُلِّ رَزِيَّةٍ. فَرِضَاهُ عَنْ رَبِّهِ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ: يَنْفِي عَنْهُ مَادَّةَ هَذِهِ الْآفَاتِ.
الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يَظْفَرُ بِالْإِنْسَانِ غَالِبًا عِنْدَ السُّخْطِ وَالشَّهْوَةِ. فَهُنَاكَ يَصْطَادُهُ. وَلَا سِيَّمَا إِذَا اسْتَحْكَمَ سُخْطُهُ. فَإِنَّهُ يَقُولُ مَا لَا يُرْضِي الرَّبَّ. وَيَفْعَلُ مَا لَا يُرْضِيهِ. وَيَنْوِي مَا لَا يُرْضِيهِ. وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ مَوْتِ ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ «يَحْزَنُ الْقَلْبُ. وَتَدْمَعُ الْعَيْنُ. وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي الرَّبَّ» . فَإِنَّ مَوْتَ الْبَنِينَ مِنَ الْعَوَارِضِ الَّتِي تُوجِبُ لِلْعَبْدِ السُّخْطَ عَلَى الْقَدَرِ.
فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ: أَنَّهُ لَا يَقُولُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ - الَّذِي يَسْخَطُهُ أَكْثَرُ النَّاسِ. فَيَتَكَلَّمُونَ بِمَا لَا يُرْضِي اللَّهَ. وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُرْضِيهِ - إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّهُ ﵎. وَلِهَذَا لَمَّا مَاتَ ابْنُ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ رُؤِيَ فِي الْجِنَازَةِ ضَاحِكًا.
فَقِيلَ لَهُ: أَتَضْحَكُ وَقَدْ مَاتَ ابْنُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَضَى بِقَضَاءٍ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَرْضَى بِقَضَائِهِ.
فَأَنْكَرَتْ طَائِفَةٌ هَذِهِ الْمَقَالَةَ عَلَى الْفُضَيْلِ. وَقَالُوا: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَكَى يَوْمَ مَاتَ ابْنُهُ. وَأَخْبَرَ أَنَّ «الْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَالْعَيْنَ تَدْمَعُ» . وَهُوَ فِي أَعْلَى مَقَامَاتِ الرِّضَا. فَكَيْفَ يُعَدُّ هَذَا مِنْ مَنَاقِبِ الْفُضَيْلِ؟
وَالتَّحْقِيقُ: أَنْ قَلْبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اتَّسَعَ لِتَكْمِيلِ جَمِيعِ الْمَرَاتِبِ، مِنَ الرِّضَا عَنِ اللَّهِ، وَالْبُكَاءِ رَحْمَةً لِلصَّبِيِّ. فَكَانَ لَهُ مَقَامُ الرِّضَا، وَمَقَامُ الرَّحْمَةِ وَرِقَّةُ الْقَلْبِ. وَالْفُضَيْلُ لَمْ يَتَّسِعْ قَلْبُهُ لِمَقَامِ الرِّضَا وَمَقَامِ الرَّحْمَةِ. فَلَمْ يَجْتَمِعْ لَهُ الْأَمْرَانِ وَالنَّاسُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعِ مَرَاتِبَ.
أَحَدُهَا: مَنِ اجْتَمَعَ لَهُ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَرَحْمَةُ الطِّفْلِ. فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ رَحْمَةً وَالْقَلْبُ رَاضٍ.
الثَّانِي: مَنْ غَيَّبَهُ الرِّضَا عَنِ الرَّحْمَةِ. فَلَمْ يَتَّسِعْ لِلْأَمْرَيْنِ. بَلْ غَيَّبَهُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ.
الثَّالِثُ: مَنْ غَيَّبَتْهُ الرَّحْمَةُ وَالرِّقَّةُ عَنِ الرِّضَا فَلَمْ يَشْهَدْهُ، بَلْ فَنِيَ عَنِ الرِّضَا.
الرَّابِعُ: مَنْ لَا رِضَا عِنْدَهُ وَلَا رَحْمَةَ. وَإِنَّمَا يَكُونُ حُزْنُهُ لِفَوَاتِ حَظِّهِ مِنَ الْمَيِّتِ. وَهَذَا حَالُ أَكْثَرِ الْخَلْقِ. فَلَا إِحْسَانَ. وَلَا رِضَا عَنِ الرَّحْمَنِ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
فَالْأَوَّلُ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الرِّضَا. وَالثَّانِي دُونَهُ. وَالثَّالِثُ دُونَ الثَّانِي. وَالرَّابِعُ هُوَ السَّاخِطُ.
السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الرِّضَا هُوَ اخْتِيَارُ مَا اخْتَارَهُ اللَّهُ لِعَبْدِهِ. وَالسُّخْطَ كَرَاهَةُ مَا اخْتَارَهُ اللَّهُ لَهُ، وَهَذَا نَوْعُ مُحَادَّةٍ. فَلَا يُتَخَلَّصُ مِنْهُ إِلَّا بِالرِّضَا عَنِ اللَّهِ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ.
السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الرِّضَا يُخْرِجُ الْهَوَى مِنَ الْقَلْبِ. فَالرَّاضِي هَوَاهُ تَبَعٌ لِمُرَادِ رَبِّهِ مِنْهُ. أَعْنِي الْمُرَادَ الَّذِي يُحِبُّهُ رَبُّهُ وَيَرْضَاهُ. فَلَا يَجْتَمِعُ الرِّضَا وَاتِّبَاعُ الْهَوَى فِي الْقَلْبِ أَبَدًا، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ شُعْبَةٌ مِنْ هَذَا وَشُعْبَةٌ مِنْ هَذَا، فَهُوَ لِلْغَالِبِ عَلَيْهِ مِنْهُمَا.
الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الرِّضَا عَنِ اللَّهِ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ يُثْمِرُ لِلْعَبْدِ رِضَا اللَّهِ عَنْهُ - كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الرِّضَا بِهِ - فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ. وَفِي أَثَرٍ إِسْرَائِيلِيٍّ «أَنَّ مُوسَى ﷺ سَأَلَ رَبَّهُ ﷿: مَا يُدْنِي مِنْ رِضَاهُ؟ فَقَالَ: إِنَّ رِضَايَ فِي رِضَاكَ بِقَضَائِي» .
2 / 202