Marjaca Salikiinta
مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين
Tifaftire
محمد المعتصم بالله البغدادي
Daabacaha
دار الكتاب العربي
Daabacaad
السابعة
Sanadka Daabacaadda
1423 AH
Goobta Daabacaadda
بيروت
وَالْوُقُوفُ عِنْدَ مَدْحِ النَّاسِ وَذَمِّهِمْ عَلَامَةُ انْقِطَاعِ الْقَلْبِ، وَخُلُوِّهِ مِنَ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَمْ تُبَاشِرْهُ رُوحُ مَحَبَّتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ، وَلَمْ يَذُقْ حَلَاوَةَ التَّعَلُّقِ بِهِ وَالطُّمَأْنِينَةِ إِلَيْهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَأَنْ تَدُومَ لَائِمَتُهُ لِنَفْسِهِ فَهُوَ أَنَّ صَاحِبُ هَذَا الْمَنْزِلِ لَا يَرْضَى عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ مُبْغِضٌ لَهَا مُتَمَنٍّ لِمُفَارَقَتِهَا.
وَالْمُرَادُ بِالنَّفْسِ، عِنْدَ الْقَوْمِ: مَا كَانَ مَعْلُومًا مِنْ أَوْصَافِ الْعَبْدِ، مَذْمُومًا مِنْ أَخْلَاقِهِ وَأَفْعَالِهِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ كَسْبِيًّا، أَوْ خَلْقِيًّا. فَهُوَ شَدِيدُ اللَّائِمَةِ لَهَا. وَهَذَا أَحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢] قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ: تَلُومُ عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَلَا تَصْبِرُ عَلَى السَّرَّاءِ. وَلَا عَلَى الضَّرَّاءِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: اللَّوَّامَةُ هِيَ الْفَاجِرَةُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تَنْدَمُ عَلَى مَا فَاتَ، وَتَقُولُ: لَوْ فَعَلْتُ؟ وَلَوْ لَمْ أَفْعَلْ؟ .
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ بَرَّةٍ وَلَا فَاجِرَةٍ إِلَّا وَهِيَ تَلُومُ نَفْسَهَا إِنْ كَانَتْ عَمِلَتْ خَيْرًا قَالَتْ: هَلَّا زِدْتُ؟ وَإِنْ عَمِلَتْ شَرًّا قَالَتْ: لَيْتَنِي لَمْ أَفْعَلْ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: هِيَ النَّفْسُ الْمُؤْمِنَةُ. إِنَّ الْمُؤْمِنَ - وَاللَّهِ - مَا تَرَاهُ إِلَّا يَلُومُ نَفْسَهُ: مَا أَرَدْتِ بِكَلِمَةِ كَذَا؟ مَا أَرَدْتِ بِأَكْلَةِ كَذَا؟ مَا أَرَدْتِ بِكَذَا؟ مَا أَرَدْتِ بِكَذَا؟ وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَمْضِي قُدُمًا قُدُمًا، وَلَا يُحَاسِبُ نَفْسَهُ وَلَا يُعَاتِبُهَا.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هِيَ النَّفْسُ الْكَافِرَةُ، تَلُومُ نَفْسَهَا فِي الْآخِرَةِ عَلَى مَا فَرَّطَتْ فِي أَمْرِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا.
وَالْقَصْدُ: أَنَّ مَنْ بَذَلَ نَفْسَهُ لِلَّهِ بِصِدْقٍ كَرِهَ بَقَاءَهُ مَعَهَا؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتَقَبَّلَهَا مَنْ بُذِلَتْ لَهُ. وَلِأَنَّهُ قَدْ قَرَّبَهَا لَهُ قُرْبَانًا. وَمَنْ قَرَّبَ قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْهُ لَيْسَ كَمَنْ رُدَّ عَلَيْهِ قُرْبَانُهُ. فَبَقَاءُ نَفْسِهِ مَعَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُتَقَبَّلْ قُرْبَانُهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مِنْ قَوَاعِدِ الْقَوْمِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا بَيْنَهُمْ، الَّتِي اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ أَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَمُحِقِّهِمْ وَمُبْطِلِهِمْ عَلَيْهَا أَنَّ النَّفْسَ حِجَابٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ حَتَّى يَقْطَعَ هَذَا الْحِجَابَ. كَمَا قَالَ أَبُو يَزِيدٍ: رَأَيْتُ رَبَّ الْعِزَّةِ فِي الْمَنَامِ. فَقُلْتُ: يَا رَبِّ، كَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَيْكَ؟ فَقَالَ: خَلِّ نَفْسَكَ وَتَعَالَ.
2 / 9