جولةٌ، قَالَ: فَرَأَيْت رجلا من الْمُشْركين قد علا رجلا من الْمُسلمين، فاستدرت إِلَيْهِ حَتَّى أَتَيْته من وَرَائه، فضربته على حَبل عَاتِقه، وَأَقْبل عَليّ فضمني ضمةً وجدت مِنْهَا ريح الْمَوْت، ثمَّ أدْركهُ الْمَوْت فأرسلني، فَلَقِيت عمر بن الْخطاب فَقَالَ: مَا للنَّاس؟ فَقلت: أَمر الله. ثمَّ إِن النَّاس رجعُوا، وَجلسَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: " من قتل قَتِيلا لَهُ عَلَيْهِ بينةٌ فَلهُ سلبه ". فَقُمْت فَقلت: من يشْهد لي؟ ثمَّ جَلَست، ثمَّ قَالَ بِمثل ذَلِك، فَقُمْت فَقلت: من يشْهد لي؟ ثمَّ جَلَست، ثمَّ قَالَ بِمثل ذَلِك الثَّالِثَة، فَقُمْت، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: " مَا لَك يَا أَبَا قَتَادَة؟ " فقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة، فَقَالَ رجلٌ من الْقَوْم: صدق يَا رَسُول الله، سلب ذَلِك الْقَتِيل عِنْدِي، فأرضه من حَقه. فَقَالَ أَبُو بكر الصّديق ﵁. لَاها الله، إِذا لَا يعمد إِلَى أَسد الله يُقَاتل عَن الله وَعَن رَسُوله فيعطيك سلبه، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: " صدق، فأعطه إِيَّاه " فَأَعْطَانِي. قَالَ فَبِعْت الدرْع، فابتعت مخرفًا فِي بني سَلمَة، فَإِنَّهُ لأوّل مالٍ تأثلته فِي الْإِسْلَام.
سَمِعت بعض أهل الْعلم فِيمَا مضى من الزَّمَان وَقد أجري ذكر هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: لَو لم يكن من فَضِيلَة لأبي بكر الصّديق إِلَّا هَذَا، فَإِنَّهُ بثاقب علمه، وَشدَّة صرامته، وَقُوَّة إنصافه، وَصِحَّة توفيقه، وَصدق تَحْقِيقه بَادر إِلَى القَوْل بِالْحَقِّ، فزجر، وَأفْتى وَحكم وأمضى، وَأخْبر فِي الشَّرِيعَة عَن الْمُصْطَفى ﷺ بِحَضْرَتِهِ وَبَين يَدَيْهِ بِمَا صدقه فِيهِ، وأجراه على قَوْله. وَهَذَا من خَصَائِصه الْكُبْرَى إِلَى مَا لَا يُحْصى من فضائله الْأُخْرَى.