Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Daabacaha
دار الفكر العربي
ويذكر الذين قالوا إن العبد يخلق أفعال نفسه بما أودعه من قوى هو خالقها، ويسمون القدرية، ومنهم المعتزلة، فيقول فيهم: ((القدرية متفقون على أن العبد هو المحدث للمعصية، كما هو المحدث للطاعة، واللّه عندهم ما أحدث هذا ولا هذا، بل أمر بهذا ونهى عن هذا، وليس عندهم للّه نعمة أنعمها على عباده المؤمنين في الدين إلا وقد أنعم بمثلها على الكفار، فعندهم أن علي بن أبي طالب وأبا لهب مستويان في نعمة اللّه الدينية؛ إذ كل منهما أرسل إليه الرسول وأجبر على الفعل بالأمر، وأزيحت علته، ولكن هذا فعل الإيمان بنفسه من غير أن يخصه بنعمة آمن لأجلها، وعندهم أن الله حبب الإيمان إلى الكفار كأبي لهب وأمثاله، كما حببه إلى المؤمنين كعلي رضي الله عنه وأمثاله، وزينه في قلوب الطائفتين سواء، ولكن هؤلاء كرهوا ما كرهه اللّه بغير نعمة خصهم بها، وهؤلاء لم يكرهواما كرهه لهم)).
ولقد رماهم مخالفوهم بأنهم قدرية لينطبق عليهم الأثر: «القدرية مجوس هذه الأمة»، وذلك لأن المجوس قالوا إن العالم فيه قوتان: قوة للخير، وأخرى للشر، ويقولون إن قوة الخير هو إله الخير، وقوة الشر إله الشر، فادعوا أن القدرية قالوا ذلك؛ إذا حكموا بأن المعصية من العبد لا من اللّه، فيرد ابن تيمية ذلك، وينفي عن القدرية ذلك القول ويقول: ((ومن نقل عنهم أن الطاعة من الله، والمعصية من العبد فهو جاهل بمذهبهم، فلم يقله أحد من علماء القدرية ولا يمكن أن يقوله، فإن أصل قولهم أن فعل العبد للطاعة كفعله للمعصية، كلتاهما فعله بقدرته تحصل له من غير أن يخصه بإرادة خلقها فيه مختص بأحدهما، ولا قدرة جعلها فيه تختص بأحدهما (١))).
رأيه في الأشاعرة:
٣٠٩- ويعتبر الأشاعرة من المائلين إلى الجبر؛ بل يعتبر قولهم من الجبر، ويرى أن قولهم الأفعال مخلوقات الله تعالى والكسب للعبد لا ينفي الجبر، ويقول في ذلك: ((وقال من المائلين للجبر هي (أي الأفعال) فعله (أي اللّه سبحانه) وهي كسب
(١) مجموعة الرسائل والمسائل جـ ٥ ص ١٤١ طبع المنار.
303