291

Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Daabacaha

دار الفكر العربي

في حق الله لم تطلق لإرادة المعنى الأول الذي هو جسم لحمي وعظمي مركب من أنف وفم وخد، فإن جميع ذلك أجسام، وخالق الأجسام والهيئات كلها منزه عن مشابهتها أو صفاتها، وإذا علم هذا يقيناً فهو مؤمن، فإن خطر له أنه إن لم يرد هذا المعنى فما الذي أراده؟ فينبغي أن يعلم أن ذلك لم يؤمر به، بل أمر بألا يخوض فيه فإنه ليس على قدر طاقته، لكن ينبغي أن يعتقد أنه أريد به معنى يليق بجلاله وعظمته مما ليس بجسم ولا عرض في جسم.

((مثال آخر إذا قرع سمعه النزول في قوله صلى الله عليه وسلم: ((ينزل الله تعالى في كل ليلة إلى السماء الدنيا))، فالواجب عليه أن يعلم أن النزول اسم مشترك قد يطلق إطلاقاً يفتقر إلى ثلاثة أجسام: جسم عال هو مكان لساكنه، وجسم سافل، وجسم متنقل من السافل إلى العالي، ومن العالي إلى السافل، فإن كان من أسفل إلى علو سمي صعوداً، وعروجاً ورقياً، وإن كان من علو إلى أسفل سمي نزولاً وهبوطاً، وقد يطلق على معنى آخر، ولا يفتقر إلى تقدير انتقال وحركة في جسم، كما قال تعالى: ((وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج))، وما رؤي البعير والبقر نازلاً من السماء بالانتقال، بل هي مخلوقة في الأرحام، ولإنزالها معنى لا محالة، كما قال الشافعي رضي الله عنه: دخلت مصر فلم يفهموا كلامي، فنزلت، ثم نزلت، ثم نزلت. فلم يرد انتقال جسده إلى أسفل، فتحقق المؤمن قطعاً أن النزول في حق الله تعالى ليس بالمعنى الأول، وهو انتقال شخص وجسد من علو إلى أسفل، فإن الشخص والجسد أجسام، والرب جل جلاله ليس بجسم، فإن خطر له أنه إن لم يرد هذا فما الذي أراده؟ فيقال له: فأنت إذا عجزت عن فهم نزول البعير من السماء فأنت عن فهم نزول الله تعالى أعجز، فليس هذا بعشك فادرجي، واشتغل بعبادتك أو حرفتك واسكت، وأعلم أنه أريد به معنى من المعاني التي يجوز أن تراد بالنزول في لغة العرب، ويليق ذلك المعنى بجلال الله تعالى وعظمته، وإن كنت لا تعلم حقيقته وكيفيته)).

290