394

Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

في الأحوال الشخصية والوقف والمواريث والوصايا وجدت في هذا المذهب معيناً لا ينضب من الأحكام الصالحة، فاقتبست منها الكثير، بل لقد اقتبس منه ما يعد تجديداً للمعمول به تجديداً يوافق بعض المطالب الاجتماعية التي يطالب بها بعض الباحثين في الاجتماع، فلقد اقترحت لجنة الأحوال الشخصية التي أُلفت سنة ١٩٢٦ العمل به فيما يتعلق بلزوم شروط الزواج التي تشترطها المرأة كألا يتزوج عليها ونحو ذلك، ولكن لم يؤخذ بذلك الاقتراح؛ لأنه تجديد لم تكن قد تهيأت الأذهان له.

وإن سلمنا صحة هذه الدعوى التي يدعيها ابن خلدون تسليماً جدلياً، فقررنا أن الاجتهاد في المذهب الحنبلي قليل، مع أن كل الأسباب التي بين أيدينا تناقض ذلك؛ فلن نسلم أن العامة يتبعون المذاهب لقلة الاجتهاد أو كثرته، إنما العامة يتبعون المذاهب لوجود الدعاة إليها، وذوي السلطان المعتنقين لها، وعندئذ يكون العامة تابعين لهم. وقد توجد أحوال أخرى غير السلطان أذاعت المذهب أو أخملته عند العامة، ولكنها شئون تتصل بسياسة الاجتماع وشئون الجماعة، واتصال الإمام والمفتين في مذهبه بهم، وليس لكون الاجتهاد قليلاً أو كثيراً دخل في القلة أو الكثرة؛ لأن العامة لا يدرسون الدليل، ويعرفون قوة الاجتهاد فيه وضعفه؛ ولكنهم يتبعون لثقتهم بالقائل، وفهمهم لما يقول، وعدم اشتهاره بينهم بالزيغ في العقيدة أو الانحراف في الدين.

٢٨١ -وإذا لم يصلح ما ذكره ابن خلدون سبباً لقلة اتباع هذا المذهب من العامة، فلنبحث عن الأسباب في غير ذلك، فإن القلة ثابتة لا ريب في ذلك، وعلى الباحث تعرف أسبابها.

والواقع أن جملة أمور تضافرت فمنعت ذلك المذهب الخصب من الذيوع والانتشار بين العامة، ومن هذه الأسباب أنه جاء آخر المذاهب الأربعة وجوداً، وكان أحمد وأتباعه من بعده لا يقربون السلطان ولا يحبون الولاية، ولا يسعون إليها، ولا يريدونها تقليداً لإمامهم، واتباعاً لمسلكه، وإذا كان سلطان القضاة قد كان

393