393

Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

انتشار المذهب الحنبلي

٢٧٩ - قل المعتنقون لمذهب أحمد، في كل البلاد الإسلامية في الأعصر السابقة، حتى أنهم لم يكثروا في سواد أمة قط في الماضي، ومع كثرة العلماء في هذا المذهب. ومع قوتهم في الاستنباط والاستدلال، وإطلاقهم لأنفسهم الحرية، في الاستنباط وإن تقاصرت الهمم في بعض العصور، كان أتباع المذهب من العامة قليلا، حتى إنهم لم يكونوا سواد شعب من الشعوب، وقتاً من الأوقات إلا ما كان من أمرهم في نجد، في القرن الماضي، ثم في بلاد الحجاز كلها في القرن الأخير؛ وكان مما يثير الفكر أن كان فيه الفطاحل من العلم، ولم يكن لهم من العامة أتباع، حتى لقد قال بعضهم في ذلك:

يقولون لي قد قل مذهب أحمد وكل قليل في الأنام ضئيل

فقلت لهم مهلا غلطتم بزعمكم ألم تعلموا أن الكرام قليل
وما ضرنا أنا قليل وجارنا عزيز وجار الأكثرين قليل

٢٨٠ - وهنا يثار سؤال لم كانت هذه القلة؟ ولقد أثار الباحثون ذلك السؤال. وتصدوا للإجابة عنه، وقد أجاب ابن خلدون عنه، فقال:

((وأما أحمد ابن حنبل فمقلده قليل، لبعد مذهبه عن الاجتهاد، وأصالته في معاضدة الرواية، وللأخبار بعضها ببعض، وأكثرهم بالشام والعراق من بغداد ونواحيها، وهم أكثر الناس حفظا للسنة، ورواية الحديث))

وإن ذلك لا يصلح تعليلا لهذه العلة؛ لأن الأصل غير صحيح، فليس ذلك المذهب قليل الاجتهاد، فقد علمنا أنه المذهب الذي فتح باب الاستنباط على مصراعيه في غير النص، وإن كثرة المتقدمين، أو كلهم هم الذين قرروا أن باب الاجتهاد المطلق لا يغلق قط، وأنه ظهر فيه العلماء الذين درسوا أعراف الناس في العصور المختلفة، وواءموا بينها وبين مصادر الشرع، واستنبطوا تحت ظل الكتاب والسنة. ومن أضوائهما أحكاما صالحة متناسبة، وإن مصر عندما أرادت تعديل المعمول به

392