Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
الصالح، وكان يفتى في الوقائع، ولا يفرض فروضًا، ولا يجمع المسائل في قياس فيجعل العلة مطردة، ومع هذه المظاهر الخاصة بالفقه الحنبلي، قد جمعت قواعده، وضبطت مسائله في ضوابط، جامعة لا تشذ فروعها، وتستقيم أحكامها، فدل ذلك على أنه لم تكن الفتاوى فيه حلولًا تعتمد على الخواطر السانحة، بل كانت تعتمد على مناهج ومسالك ثابتة، ترتبط بعناصر وثيقة الربط.
وإذا كان ذلك في الفقه الحنبلي، فلابد أنه كان في الفقه الحنفي، والمالكي والشافعي، ولذلك وجدت هذه القواعد والضوابط في مذاهب الفقه الإسلامي، فكان في المذهب المالكي القواعد لابن جزى والفروق للقرافي، وفي المذهب الشافعي القواعد للعز بن عبد السلام، وفي المذهب الحنفي الأشباه والنظائر لابن نجيم
وتتفاوت مراتب هذه الكتب في قوة ربط القواعد للفروع، وضبطها للأحكام بمقدار قدرة كاتبها على التغلغل في أسرار المذهب، وفهم العناصر المشتركة بين مسائله، وجمع الأشباه مع أشباهها، والنظائر مع نظائرها، ولكل نصيب من الفضل في خدمة مذهبه خاصة، والفقه الإسلامي عامة.
٢٧٨- هذه صورة لما قام به الفقهاء في المذهب الحنبلي، من تخريج نماه، ووسع أفق الاجتهاد فيه، ومن دراسة لأصوله، وبيان لأدلته، وإثبات لصحة الاجتهاد فيه، ثم بعد ذلك جمعوا أشتاته، وضبطوا مسائله، فسهلوا سبيل معرفته وطريقة التخريج عليه، واستنباط أحكام ما لم ينص عليه.
وكانوا في كل عصورهم أسبق فقهاء المذاهب إلى فتح باب الاجتهاد، والتحليق في سماء الكتاب والسنة، وعدم الوقوف عند حدود ما استنبطه الأئمة لا يتجاوزونه ولم يغلقوا باب الاجتهاد، كما جاء على أقلام غيرهم من الفقهاء المستمسكين بمذاهبهم والذين يؤولون النصوص إذا لم تكن متطابقة مع أقوال أئمتهم، ولم يضيقوا واسعًا، ولم يحجروا على العقول.
وكان فيهم مجتهدون، إن لم يكن في كل العصور، ففي جلها، وإن
390