373

Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

ورابعها - أن يكون فقيه النفس لا يصل إلى مرتبة المجتهدين المنتسبين، ولا أصحاب الوجوه، ولكنه فقيه النفس حافظ لمذهب الإمام عارف لأدلته قائم بتقريرها، بيد أنه لا يخرج على فروع إمامه، ولكنه يحرر ويزيف ويرجح، ويمهد ويقرر، وينقح الأقوال المختلفة، ويختار من بينها، ويجوز لهؤلاء التخريج على فروع الإمام، والفرق بينهم وبين القسم الأول، إنما هو في تحرير المذهب، وتمهيده، وكأنهم فريق من القسم السابق أو أن القسم السابق يختلف المجتهدون بطريقه قوة وضعفاً وعملاً.

خامسها - الحافظون للمذهب، والفاهمون له في واضحات المشاكل، وهؤلاء يفتون بالنصوص فقط، ولا يفتون بغيره قط.

٢٥٧- هذه الأقسام ذكرها ابن حمدان كما قلنا، ونقلها ابن تيمية في مسودة الأصول، وهي تتفق في الجملة مع الأقسام التي ساقها ابن القيم.

وقد اتفقوا على أن الفتوى لا تجوز من غير أصحاب هذه الطبقات ولا شك أن الطبقة الأخيرة فتاويها لا تنعى المذهب، ولا تزيده، أما الطبقات الثلاث التي تسبقها، وهم المنتسبون وأصحاب الوجوه وفقهاء النفس، فإن فتاواهم تزيد المذهب وتنميه، إذ أن المنتسبين ما يصلون إليه يزيد به المذهب الذي انتسبوا إليه فروعاً، وأقوالاً وتوجيهات، وقد كان من هؤلاء عدد لا يحصى في المذهب الحنبلي، منهم أصحاب أحمد الذين التقوا به، ومنهم تلاميذهم كالخلال وغيره، ومن جاء بعدهم كان عقيل وأبي يعلى وغيرهم، ثم جاء بحر العلم ابن تيمية فأوفى على الغاية، وتفجرت ينابيع فكره وأنتجت أطيب الثمرات، وكذلك من بعد تلميذه الناقد الإسلامي الألمعي ابن القيم.

وكان من المخرجين وأصحاب الوجوه من لا يحصون في ذلك المذهب الجليل وكأن الله عوضه عن عدد العوام الذين يعتنقونه بعدد عظيم من العلماء ذوي القدم الراسخة في البحث والاستنباط والتخريج.

٢٥٨- والآن نعود إلى الفتوى والتخريج والنقل. إن العلماء في هذا المذهب قرروا أن الفتوى لا تجوز إلا من مجتهد، وكلمة مجتهد لا تشمل إلا الطبقات الأولى

372