368

Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

وكلما كانت السهولة في اختيار المفتي كان التقييد في الإفتاء، وقلت الفائدة العائدة على المذهب من الفتوى.

ولقد كان المذهب الذي شدد صاحبه وأتباعه في انتقاء المفتي، وبلوغه درجة من العلم تصل به إلى الاجتهاد المطلق، أو تقاربه هو المذهب الحنبلي، فقد شدد أحمد وأتباعه في شروط المفتي، فكانت الجدوى في الفتوى، وكان النماء المستمر في ذلك الفقه الحي النامي.

ولقد روي عن الإمام أحمد رضي الله عنه نص في شروط المفتي، فقد روي عنه أنه قال:

"لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا، حتى يكون فيه خمس خصال

(أولهما) أن تكون له نية، فإن لم تكن له نية لم يكن عليه نور، ولا على كلامه نور.

(والثانية) أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة.

(والثالثة) أن يكون قوياً على ما هو فيه، وعلى معرفته

(والرابعة) الكفاية، وإلا مضغه الناس.

(والخامسة) معرفة الناس(١)

ويرى من هذا أن أحمد يلاحظ نفسية المفتي، ويلاحظ سمته، واحترام الناس له فوق ملاحظة العلم والكفاية التامة من ناحية الدراسة، والبحث، والإدراك السليم لأحوال الناس.

وقد فصل في مقام آخر العلم الذي يجب أن يحصله المفتي ليكون أهلاً لمنصب الإفتاء، وليبلغ درجته، فقال في رواية ابنه صالح: "ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالماً بوجوه القرآن، عالماً بالأسانيد الصحيحة، عالماً بالسنن." وفي رواية أبي الحارث: "لا تجوز الفتيا إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة." وقال في رواية حنبل: "ينبغي لمن أفتى أن يكون عالماً بقول من تقدم، وإلا فإنه لا يفتى." وقال في رواية يوسف بن موسى: "أحب أن يتعلم الرجل كل ما تكلم فيه الناس"(٢)

(١) أعلام الموقعين، ص ١٧٣ (٢) الكتاب المذكور، ص ١٧٨

367