Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
٢ - الفتوى والاجتهاد والتخريج في
فقه أحمد من بعده
٢٥١ - تصدى تلاميذ أحمد وأصحابه للفتوى والاجتهاد والتخريج، ونقلوا إلى الأخلاف علم إمامهم في الحديث، والأخبار، والآثار، والمسائل، والأحكام، ثم جاء من بعدهم من جمع الموروث ونظمه ورتبه وضم أشتاته وألف بين متفرقه، ومنهم من صار على منهاج الإمام وتلاميذه، في الفتوى والتخريج على أقوال الصحابة ثم على أقوال الإمام، والمسائل المأثورة عنه، ومنهم من اقتصر على الجمع والترتيب وضبط القواعد، ومنهم من جمع بين الاجتهاد والتخريج والإفتاء، والترتيب وضبط الأحكام، وتأصيل الأصول، وكل له فضل في تنمية المذهب أو تهذيبه وجمعه، وتذليل سبله.
ولنتكلم في هذا المقام على التخريج والاجتهاد والفتوى، ثم نتكلم من بعد على الجمع والترتيب وبيان الوجوه. ومن المقرر الثابت الذي يلاحظه الدارسون لتاريخ الفقه أنه كلما شدد في شروط الإفتاء في مذهب ومنعه من غير القادرين كان ذلك سبيلاً لتنمية المذهب، وتوجيه فروعه إلى النواحي المنتجة في الحياة، فإذا كانت الروح العامة في مذهب من المذاهب لا تسوغ الإفتاء والتخريج والاجتهاد فيه إلا لمن بلغ درجة الاجتهاد المطلق كانت الفتوى مجدية على المذهب، فتنميه وتغذيه، وتعطيه أرسالاً من الأحكام الجديدة الحية المستمدة من روح الشرع الإسلامي ومقاصده وغايته، ومن قانون الحياة المستمر في تغير أطواره وتقلب أحواله، حتى ينتهي إلى النهاية التي قدرها مكون الأكوان، ورب السماوات والأرض.
وإذا كانت الفتوى تسند في مذهب لمن يبلغ أدنى درجات البحث والدراسة؛ ويقيد بالمذهب لا يعدو نصوصه، فإن الفتوى لا تعطي المذهب نماء، ولا تزيد مسائله شيئاً، فكلما كان التشديد في انتقاء المفتي كان الإطلاق في الإفتاء، والفائدة في الفتوى
366