Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
بما فهمه من آثار الرسول والصحابة والتابعين، وطرائق فتواهم، ومسالكهم مستبينا معاني الفتاوى، وما تشير إليه، وما تقيدت به من مناهج.
٢٣٩- ولكن إذا كان أحمد يتقيد بألا يفتى إلا بما يقع من المسائل، ويتقيد بمناهج السلف، فهل يجعل ذلك مذهبه ناقصا، أو غير قادر على مسايرة الزمان؟ الواقع أن ما أفتى به أحمد من فتاوى جمعت من بعده، ونشرها أصحابه وتلاميذهم فيه الكفاية للإفتاء، وإن كثرة رواية أحمد، وحفظه لفتاوى الصحابة، سواء في ذلك من أقام منهم بالحجاز، ومن رحل إلى مصر أو الشام، أو العراق أو اليمن، وغيرها من البلاد الإسلامية جعل بين يديه مجموعة من الأقضية وسعت مدارك الفتوى، وطرائقها، ثم أغنته المسائل الواقعة في عصره، وقد اتسعت فيه نواحي الاجتماع، وتشعبت مسائل الحياة عن الفرض والتقدير.
ولقد ذكر ابن رجب أن العلم بأحكام المسائل الواقعة يسهل العلم بما لم يقع عند وقوعه، وهذا نص كلامه: ((من سلك طريق طلب العلم تمكن من فهم جواب الحوادث الواقعة غالبا؛ لأن أصولها توجد في تلك الأصول المشار إليها (أي الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين)).
٢٤٠- كان فقه أحمد بمقتضى ذلك فقها قابلا للنمو؛ لأنه لا يقيد إلا بفتاوى السلف وأقضيتهم ومعاني السنة والقرآن الكريم، وما استنبطه السلف الصالح تحت ظلهما.
ولقد لاحظنا من الاستقراء الفقهي أن الفقه الذي يكثر فيه التفريع، ويضبط بضوابط قياسية كالفقه الحنفي بشكل خاص، والفقه الشافعي الذي يقاربه، وإن لم يكن يماثله - يكون الضبط القياسي مقيداً له، فإذا جاء الفقيه، وابتلى بحوادث وجد النصوص المذهبية القياسية قائمة. وقد تكون غير مناسبة للزمان فتقف محاجزة بين الفقيه، والإفتاء بالصالح؛ ولذلك اضطر المجتهدون في المذهب الحنفي بسبب ضبط الأقيسة، والتفريعات القياسية أن يكثروا من الاستحسان بالعرف، حتى وجدنا المتأخرين متأثرين بالعرف يتحللون من بعض تفريعات الأقدمين وأقيستهم، فيخالفونهم
355