Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
عن حكم ما وقع إلى ما يمكن أن يقع، وقد كان الحنابلة من بعده ينهجون مثل نهجه في الجملة، وإن كانت كثرة الحوادث أغنتهم عن الفرض والتقدير والتفريع، كما سنبين. ولقد قال ابن رجب الحنبلي في كتابه جامع العلوم والحكم عند كلامه في تفسير الحديث التاسع(١) من الأربعين النبوية:
((قال الميموني: سمعت أبا عبدالله يسأل عن مسألة، فقال وقعت هذه المسألة. بليتم بها بعد... وقد انقسم الناس في هذا أقساماً، فمن أتباع الحديث من سد باب المسائل، حتى قل فقهه وعلمه بحدود ما أنزل الله على رسوله، وصار حامل فقه غير فقيه، ومن فقهاء أهل الرأي من توسع في توليد المسائل قبل وقوعها، ما يقع في العادة منها، وما لا يقع، واشتغلوا بتكلف الجواب عن ذلك، وكثرة الخصومات فيه، والجدال عليه، حتى يتولد من ذلك افتراق القلوب وتستقر فيها بسببه الأهواء والشحناء، والعداوة والبغضاء، ويقترن ذلك كثيراً بنية المغالبة، وطلب العلو والمباهاة، وصرف وجوه الناس، وهذا ما ذمه العلماء الربانيون، ودلت السنة على قبحه وتحريمه))
((وأما فقهاء أهل الحديث العاملون به، فإن معظم هممهم البحث عن معاني كتاب الله عز وجل، وما يقره من السنن الصحيحة، وكلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحيحها وسقيمها ثم الفقه فيها، وتفهمها والوقوف على معانيها، ثم معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان في أنواع العلوم من التفسير والحديث، ومسائل الحلال والحرام، وأصول السنة والزهد والرقائق، وغير ذلك، وهذه هي طريقة الإمام أحمد، ومن وافقه من أهل الحديث الربانيين، وفي معرفة هذا شغل شاغل عن التشاغل بما أحدث من الرأي فيما لا ينتفع به، ولا يقع، وإنما يورث التجادل فيه الخصومات والجدال، وكثرة القيل والقال، وكان الإمام أحمد كثيراً ما إذا سئل عن شيء من المسائل المولدات التي لا تقع يقول دعونا من هذه المسائل المحدثة))
وترى من هذا أن أحمد رضي الله عنه ما كان يفتي إلا فيما يسأل عنه مستضيئاً
(١) الحديث التاسع هو ما رواه أبو هريرة. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم؛ فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم)).
354